Generic selectors
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in posts
Search in pages
Filter by Categories
أحدث الاصدارات
أخبار عامة
المحاور البحثية للأكاديمية
بحوث
حوارات
سؤال وجواب
سلسلة المفاهيم القرآنية
عام
فتاوى
قالوا عنه
كتب
كتب الأكاديمية
مؤتمرات وندوات
مقالات
مقالات الأكاديمية
Menu
أيحتاج القرآن إلى تفسير؟ - علماء ربانيُّون - آثار تجاوز علم الأولويات - فقه الأقليات - عوائق أمام المراجعات - أصول علم المراجعات - مداخل مراجعة القرآن الكريم- 2 - مداخل مراجعة القرآن الكريم-1 - الخطاب الإسلاميّ وثقافة الموت - ثنائيَّة الأصالة والمعاصرة

بين المرونة والتراجع.. أحكام المواطنة نموذجًا    

أ.د/ طه جابر العلواني

يُعد مفهوم «الوطن» و«المواطنة» من المفاهيم التي ارتبطت بالفكر الغربيّ المؤسس لـ«ـلدولة القوميَّة» و«الدولة الوطنيَّة»، وقد انبثقت عنها قوانين ونظم كثيرة؛ منها ما يتعلق بالحدود، والمياه الإقليميَّة وغير الإقليميَّة، والجنسيَّة، والهجرة، ونظم الدخول إلى الإقليم المختص والخروج منه والإقامة فيه والعمل وما إلى ذلك.

أصل مفهوم «المواطنة»

انبثق مفهوم المواطنة -في أصله- عن فكرة التفوّق الأوروبيّ على بقيَّة شعوب الأرض، والتفوق المنسوب للعرق الأبيض على العروق الملونة والمعطيات «الأنثروبولوجيَّة/علم الإنسان» والذي بدأ نشاطه منذ القرن السابع عشر، متصلاً بالاستشراق والتنصير باعتبارهما طرفي الديناميكيَّة في تمهيد الأرض لاستعمار الرجل الأبيض المتفوّق. هذا الاستعمار الذي عدَّه الرجل الأبيض مَكْرمة منه لسائر البشر الملونين، فهو يحررهم في نظره، ويدخلهم الحضارة، ويشركهم فيما توصّل إليه من صناعات وتسهيلات في الحياة؛ وبناء على ذلك، فعليهم أن يستقبلوه في كل بلد يفكر بدخوله -أو احتلاله- بالورود والهتاف باسمه والتهليل له، ويرى أنَّ قتله لـمَنْ يرفض الاحتلال أو يريد لنفسه ولبلاده الحريَّة والاستقلال إنَّما هو شرف لذلك المقتول ولكنَّه –ذاك المقتول- يجهل ذلك؛ لتخلّفه وعدم قدرته على استيعاب القيم الغربيَّة التي جاء المحتل الفاتح ليبشّر بها ويغرسها في هذه الأرض.

اليهود والاصطفاء الربّاني والنبيّ الخاتم

وحين نعود إلى التوراة نجد ذلك التوجّه شائعًا في كثيرٍ من أسفارها، فاليهود الذين حُمِّلوا التوارة ثم لم يحملوها إلا حَملاً حماريًّا -كمثل الحمار يحمل أسفارًا- لم يفهموا أنَّ الاصطفاء الإلهي تكليف بمهمّة شاقة، وتحميل للأمَّة التي يتم اختيارها بقول ثقيل، عليها أن توصّله إلى سائر بقاع الأرض وتنشره في سائر الأمم، وليس تشريفًا كما فهم غلاظ الأكباد وعراض الأقفية، وأطلقوا على أنفسهم لقب «شعب الله المختار»، وظنُّوا أنَّ هذا الاختيار عنصريّ مطلق، وأنَّهم سيظلون في هذه المكانة بقطع النظر عن أي انحراف ينحرفونه أو أي شرك أو فساد يقترفونه، وأنَّ مَنْ يُقتل بأيديهم من الكنعانيّين -أهل فلسطين الأوائل ومَنْ حولهم من العرب- ينال شرفًا كبيرًا بأن قتل بتلك اليد التي تضرب باسم الإله، وتقتل وتبيد وتدمر باسم «يهوه». وذلك لأنَّ العرف اليهوديّ ينظر إلى أنَّ الله (جلَّ شأنه) أو «يهوه» -كما يعجبهم أن يسموه- لهم وحدهم، وهو مسؤول عن استعلائهم ونصرهم ومنحهم الأرض وإخضاع عباده كلهم لهيمنتهم وسيطرتهم.

ولما أذن الله (سبحانه وتعالى) بأن يبلغ الكتاب أجله، ويحق قضاء الله بإظهار هداه ودينه الحق الذي اصطفى، وإنقاذ البشريَّة كافَّة بالنَّبي الرسول الخاتم -صلّى الله عليه وآله وسلَّم- فتح أبواب سماواته برحمته، وأرسل خيرته من خلقه للعالمين كافَّة ليكون للعالمين نذيرًا، وليقضي على سائر الفروق بين بني البشر، وينادي فيهم:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات:13)؛ أيّها الناس إنَّ الأب واحد والرب واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، فردّ الأمور إلى نصابها، وصارت كل تلك الفوارق مجرد علامات مميزة -كالأسماء- لتمهّد التعارف والتآلف والتعاون بعد ذلك على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان، ولو أنَّ البشريَّة التزمت بما جاء به محمد رسول الله -صلّى الله عليه وآله وسلَّم- وبالكتاب الكريم الذي أنزل عليه؛ لربما صار الناس اليوم أمَّة واحدة، ووضعت كل الاختلافات والفوارق والفواصل في مجال التعارف والتآلف والتعاون، ولدخل الناس في السلم كافَّة.

إنّ رسول الله -صلّى الله عليه وآله وسلَّم- حُمِّل قرآنًا هو رسالته للدعوة إلى توحيد الله، وبناء أمَّة وسط خيِّرة شاهدة على الناس حاضرة بينهم، ترقب وتتابع مسيرة التوحيد لله والوحدة بين البشر ليقوم الناس بالقسط، وأرسى دعائم ومبادئ توحِّد البشريَّة، وتخرج كل الفروق بينهم من دائرة التضاد إلى دائرة التنوع، فأقاليم الأرض والمناخات المختلفة -من حر وبرد وسواهما- وأشكال البشر وألوانهم -من سواد وبياض واحمرار- ولغاتهم ومطاعمهم ومشاربهم وبيئاتهم كل ذلك أُخرج من دائرة التناقض إلى دائرة التنوع والتعدد لخدمة الأهداف العليا «التوحيد والتزكية والعمران»، وتحقيق وحدة البشريَّة؛ لتُغمر كلها بالرحمة التي أُرسل بها محمد بن عبد الله صلّى الله عليه وآله وسلَّم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:107)، وليعم السلام على العالمين كافَّة، وليظهر دين القيم والحق والهدى على الدين كله، أي دين لا يعترف بوحدانيَّة الله ووحدة البشريَّة في عبوديته، ووحدة الأرض دارًا لها، ووحدة ما يستخرج منها أقواتًا لها، ووحدة معادنها لخدمة البشريَّة كلها. والأمَّة الشاهدة تراقب وتسدّد وتحمل هذا الهدي لتقيس الأمور به، وتزن تصرفات الناس بناء عليه، وتدعو إلى الله على بصيرة، وبيِّنة، فيتحقق العدل ويقوم الناس بالقسط، ويعود الأغنياء على الفقراء بما زاد من أموالهم: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل:90)، وبهذه المقاصد العليا والمبادئ الكبرى والقيم الشاملة الصادقة تتم أهداف الاستخلاف ويقوم الإنسان بالعهد الإلهيّ وأداء الأمانة والنجاح في اختبار الابتلاء، فأي فكر يجاوز ما تقدم وينحرف عنه إنَّما هو اعتداء على البشريَّة وقيمها ومقاصد القرآن العليا في التوحيد والوحدة والتزكية والعمران، وتحقيق العدل والإحسان والمساواة بين البشر وقيام الناس لله بالقسط.

الأمّة الخاتمة ما بين واجبها وواقعها

إنّ قيم التحريف الذي قام به أولئك الذين حُمِّلوا كتاب الله التوراة حملًا حماريًّا ما تزال في حاجة إلى تصحيح في العالم الغربي من حملة القرآن وتقويم منهم لذلك الانحراف، لكنَّ حملة القرآن في هذا العصر حُمِّلوا القرآن ثم لم يحملوه إلا كمثل حمل أسلافهم للتوارة، فحملوه حملًا حماريًّا، فاستهانوا بالتوحيد وصاروا ممن قال الله فيهم:﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ (يوسف:106)، واستهانوا بالوحدة الإنسانيَّة وفرقوا دينهم وكانوا شيعًا، واستهانوا بـ«ـالتزكية»، فامتلأت ديارهم بالظالمين أنفسهم وبالمقتصدين، وخلت -إلا قليلاً- من أولئك المطهرين المتطهرين، وأفسد هذا المعْظَم في الأرض، واستمتعوا بخلاقهم كما استمتع الذين من قبلهم بخلاقهم، وخاضوا كالذين خاضوا، فتخلّوا عن الأسس السليمة التي أرسى دعائمها القرآنُ، وأسس عليها سيدنا رسول الله وخاتم النبيّين والمرسلين صلّى الله عليه وآله وسلَّم، واتبعوا ما تتلو الشياطين على هذه الحضارة المنحرفة التي سوّغت لنفسها وللبشريَّة انحرفات عديدة؛ ففرّقت البشريَّة ومزّقت الإنسانيَّة وأعادت إحياء مبادئ الرقيق والاسترقاق بأشكال حديثة، فصار من حق حكَّام تلك الديار ومالكي الشركات العابرة للقارات ومنتجي الأسلحة والمتخمين بأموال الربا الحرام أن يؤسسوا قواعد للتفكير المشترك، ويحملوا البشريَّة على اعتناقها، مستخدمين كل وسائل الدجَّال التي أشارت بعض الأحاديث والآثار إلى مجيئه.

«دار» لا «وطن»

إنّ من أخطر ما أصَّل له حكّام الديار هؤلاء من قواعد التفكير المشتركة فكرة الإقليميَّة والوطنيَّة، تلك التي ألغاها سيدنا رسول الله -صلّى الله عليه وآله وسلَّم- بناءً على اتباعه ما أُوحِي إليه من ربه الذي قدّم للبشريَّة مفهوم «الدار» لا مفهوم «الوطن»، فمفهوم «الدار» يجعل الأرض كلها دارًا للبشر كلهم، فما دام الناس أمَّة واحدة والبشر خلق واحد فلِمَ لا تكون الدار واحدة؛ ألا وهي الأرض التي خلقها الله للبشر كافَّة: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ*وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ (فصلت:9-10). و«الدار» يتحول الإنسان عنها بحسب احتياجاته ورغباته؛ لأنَّ الله لم يحد له حدودًا حين قال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (الملك:15)،ولا شك أنَّ مناكب الأرض لا تتعلق بأرض ولا بإقليم.

إنَّ مفهوم «الدار» يرتبط بالإنسان نفسه، فـ«ـالدار» لا تتقدم على صاحبها ولا تكون خيرًا منه ولا أفضل، فهو صاحبها وهو المستفيد بها وهو الأفضل، يستطيع أن يغادرها متى ضاقت عليه، أو ضاق رزقه فيها، ليمشي في مناكب أخرى يتابع أقواتها وما منَّ الله عليه به من أنعام وسواها، فيبتغي عند الله الرزق؛ وبناءً على ذلك فقد أصَّل القرآن لمفهوم «الدار»، وكانت الدار كما قلنا تتبع أهلها ولا يتبعها أهلها، فهناك «دار الإجابة»؛ وهي دار الذين استجابوا لله وللرسول لما دعاهم لما يحييهم، و«دار الدعوة» وهي التي يمارس الإنسان فيها الدعوة إلى الله؛ ليحقق التوحيد والوحدة بين البشر؛ ولذلك كانت دعائم المجتمع المدنيّ الأول لا الدولة ولا الحكومة ولكن التوحيد والأمَّة والدعوة، وكما فهم بنو إسرائيل التوارة فهمًا خاطئًا وحملوها كحمل الحمار، انحرف بعض المسلمين عن بعض المفاهيم وانحرفوا عن فهم القرآن فاستبدلوا الدعوة بالفتح واستبدلوا الأمَّة بالدولة. والفرق كبير بين الأمَّة والدولة.

إنَّ الذين مكَّنهم الله من الوصول إلى السلطة في بعض بلاد المسلمين كنّا نأمل منهم أن يدركوا هذه البدهيَّات القرآنيَّة، وألاّ ينجرفوا مع معطيات الفكر التوراتيّ للأمَّة المدخلة، وأن يدركوا أنَّ بني إسرائيل أمَّة مدخلة، قال (تعالى) فيهم على لسان موسى عليه السلام:﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ…﴾ (المائدة:21)؛ليصنعوا نموذجًا يشاهده الآخرون، وأمَّا الأمَّة المسلمة فهي أمَّة مخرجة إلى البشريَّة كافَّة:﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ …﴾ (آل عمران:110فنحن أبناء أمَّة مخرجة للناس؛ لتقوم بواجب الدعوة والشهادة، وتقدِّم نموذج الخيريَّة والوسطيَّة للبشريَّة كافَّة، وهذا لا يعني أنَّنا نلغي الدولة نهائيًّا، فالدولة أو النظام أو الحكومة أمور ضروريَّة لتنظيم شؤون الناس، ولتحقيق المبادئ التي دعا القرآن إليها وأمر بإرساء دعائمها، وقام رسول الله -صلّى الله عليه وآله وسلَّم- بجعلها واقعًا وتحويلها إلى ممارسة. أمَّا الدولة أو الحكومة فكيان تبنيه الأمَّة وفقًا لما فهمته من كتاب ربها، ولما تُمليه عليها قيمها والمقاصد القرآنيَّة العليا الحاكمة، فلا يكون الإنسان أثيرًا لإرادة الدولة أو الحكومة، بل تكون هي كيان تتجلى فيها وعليها إرادته وقيمه.

«الإسلام السياسي»

إنَّ ما عُرف بـ«الإسلام السياسيّ» في عصرنا هذا كان المؤمَّل فيه أن يُبرز هذه الجوانب ويُنادي بوحدة الأرض ووحدة البشريَّة، ويطرح العالميَّة الإسلاميَّة بديلاً عن العولمة المنحرفة المحرّفة. لكن من المؤسف أنَّنا وجدنا الجميع يخضعون لمعطيات الفكر الغربيّ المعاصر الذي ولّدته الاتجهات المنحرفة في فهم التوراة والمتغلغلة الآن في ثنايا هذا الفكر؛ فقسَّمت البشريَّة بحسب ألوانها وأوضاعها الاقتصاديَّة وتفوقها التقني إلى «عالم أول وعالم ثان وعالم ثالث». ومن المؤسف أنَّها صنّفت جميع المسلمين تقريبًا في ذلك الذي أطلقت عليه «العالم الثالث»، فهو في نظرها عالم متخلف لا يستحق إلاّ أن يكون تابعًا للمركزيَّة الغربيَّة أيًّا كان مركزها؛ أوروبا أو أمريكا أو غيرهما، فإذا بنا نسمع تأصيلاً غريبًا لمفهوم الأقاليم والأوطان، وتناسيًا وتجاهلاً للمفهوم القرآنيّ لـ«ـلدار»، ولا يدري أولئك -الذين تقبلوا هذه المفاهيم؛ مفاهيم الوطنيَّة والإقليميَّة والمياة الدوليَّة وما إلى ذلك- أنَّهم يلغون بذلك جملة من المفاهيم التي ما كان ينبغي لهم أن يتجاوزوها كمفاهيم «التوحيد»، و«وحدة الإنسانيَّة»، و«وحدة الأرض»، وانقسام الأرض إلى دارين فقط «دار إجابة ودار دعوة». وأنَّ هذه القسمة أيضًا إنَّما هي قسمة طارئة حتى يتقبل الناس دعوة الله، ويظهر دين الله في البشريَّة كافَّة في ظل مجموعة القيم التي ذكرنا؛ ومنها ما أشارت إليه الآيات الثلاث في ظهور الدين:﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة:33)؛ أي ليظهر الهدى ويظهر الحق.

لقد وجدنا إيران تتجاوز المفاهيم الإسلاميَّة التي أشارت إليها الثورة في انطلاقتها الأولى -على يدي إمامها الراحل- وتتشبث بالإقليميَّة، وتغامر بعلاقاتها بالخليج لنفس الأسباب التي تمسك بها شاه إيران المقبور؛ وهي التمسك بالجزر الثلاث التي كانت تحت سيادة دولة الإمارات العربيَّة، والتمسك بحقوقها في شط العرب، وتجاهل حقوق العراقيِّين، وتجفيف الأنهار التي تنبع من إيران وتصب في الأرض العراقيَّة، ومحاربة الأقليَّات في بلادها من أكراد وعرب ومَنْ إليهم، والتشبث برفض بناء مساجد سنيَّة، وقول بعض المسؤولين -بعد الثورة- بأنَّنا لن نفرِّط في شبر من حدود الأرض التي ورثناها عن شاه إيران، فلم نرَ أي أثر لمبادئ الإسلام في الأرض والحدود خلال التصرف السياسيّ، وكذلك الموقف من العراق وتمزيقه وتحويله إلى مجرد مجموعات طائفيَّة متحاربة. وكان الأمل أن تنطلق الثورة والجمهوريَّة -التي انبثقت عنها- من منطلقات القرآن الكريم عن وحدة الأرض ووحدة الإنسانيَّة ووحدة القيم العليا، وتضرب المثل للبشريَّة في كيفيَّة بناء دولة الإنسان والإسلام، لا دولة التراب والطين. وحدث مثل ذلك في السودان التي تعاني من حالة تمزُّق وتفسُّخ نخشى ألاّ تقف عند حد، ونخشى أن تنعكس على العمق الاستراتيجيّ في السودان في شمال الوادي -وادي النيل- وفي أفريقيا كلها. وكذلك الحال في حكومة «حزب الدعوة» في العراق، التي سمحت لنفسها أن تقدّم نموذجًا شائهًا، لو كان مؤسس حزب الدعوة الشهيد محمد باقر الصدر حيًّا لكان أوّل مَنْ ينكره ويرفضه، ولا أدري هل كان تلامذته اليوم سيفجِّرون فيه سيارة مفخخة أو يقضون عليه بحزام ناسف… !

إنَّ التنازلات التي يقوم بها بعض حملة البرامج السياسيَّة المستندة إلى المرجعيَّة الإسلاميَّة، ويرون فيها حكمة لتلافي اعتراضات أمريكا وأوروبا على وصولهم إلى السلطة، تنازلات في غير محلها، ونخشى ألا تقف عند حد، ولو أنَّ أحدًا من علماء أوروبا وأمريكا المسلمين نادى -قبل سنوات- بعدم فرضيَّة أخذ الجزية من الكتابيّين في الدولة الإسلاميَّة، وبالاعتراف بالمواطنة كما هي في المفهوم الغربيّ، فلربما كفَّره هؤلاء، ولقالوا إنَّه يدعو إلى إسلام أمريكيّ. أمَّا وهم يقدمون التنازل بعد الآخر فهم لا يرون أنَّهم يتنازلون عن شيء كبير، فهي اجتهادات، ولكنَّها اجتهادات تدفع مفاهيم القرآن الحقة ثمنَها، واجتهادات تكبّل الأمَّة وتنحرف بها عن سواء السبيل القرآنيّ.

وإنّنا نرجو أن يربعوا على أنفسهم، ولا ينساقوا وراء التنازل عن قيم القرآن الكريم ومبادئه وقواعده ومفاهيمه لصالح ما يطرحه الآخرون، وليتذكروا قول الله (جلّ شأنه):﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (البقرة:104فالألفاظ في هذه المواقع إمَّا أن تكب الناسَ في النار على وجوههم، وإمَّا أن تدخلهم الجنَّة، نسأل الله (سبحانه وتعالى) أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *