Generic selectors
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in posts
Search in pages
Filter by Categories
أحدث الاصدارات
أخبار عامة
المحاور البحثية للأكاديمية
بحوث
حوارات
سؤال وجواب
سلسلة المفاهيم القرآنية
عام
فتاوى
قالوا عنه
كتب
كتب الأكاديمية
مؤتمرات وندوات
مقالات
مقالات الأكاديمية
Menu
أيحتاج القرآن إلى تفسير؟ - علماء ربانيُّون - آثار تجاوز علم الأولويات - فقه الأقليات - عوائق أمام المراجعات - أصول علم المراجعات - مداخل مراجعة القرآن الكريم- 2 - مداخل مراجعة القرآن الكريم-1 - الخطاب الإسلاميّ وثقافة الموت - ثنائيَّة الأصالة والمعاصرة

الهجرة … مفهوم ودروس

 

خطبة الجمعة الأولى من محرّم

أ.د.طه جابر العلواني

“الهجرة” ذكرى سنويَّة، موعدها اليوم الأول من محرَّم الحرام، آخر الأشهر الحرم: التي أولها رجب الفرد، ثم ذو العقدة، وذو الحجَّة، وهي هدنة زمنيَّة يُراجع فيها المحاربون أنفسهم -بعيدًا عن السلاح، وسورات الغضب- لعلَّهم يعودون للدخول في السِّلم كافَّة، ويتجاوزون الصراع والقتال.

إنَّ الله -تبارك وتعالى- حين حقَّت كلمته بهبوط آدم وزوجه من الجنَّة -بعد الأكل من الشجرة الممنوعة- زُوِّد آدم وزوجه ومَنْ يُولد منهما بمجموعة كبيرة من الغرائز والعواطف، لتكون مصادر دائمة لتوليد دوافع الحركة؛ ليضرب الإنسان في الأرض لعلَّه يُحقق «غاية الحق من الخلق» في إعمارها وإقامة «الحق والعدل» فيها، وإنارة ظُلُماتها «بالهدى»؛ ولعلَّه ينجح في اختبار الابتلاء: ﴿ِليَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ (هود:7)، ﴿… لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (الملك:2)، بعد أن فشل في الاختبار الأول؛ لأنَّ آدم نسي: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ (طه:115)، فأُعطي فرصة أخرى لعلَّه ينجح، ويعود وأبناؤه إلى الجنَّة منصورين على عدوهم الَّذِي أخرج أبويهم منها.

ومن أبرز الغرائز الانسانية غريزة «الخوف»؛ فهي تولِّد مجموعة كبيرة من الدوافع لدى الإنسان تكون كفيلة بتحريكه في اتجاهات مختلفة، أحيانًا تدمِّر الإنسان، وتورده موارد الهلاك إذا لم يتم تنظيمها، شأنها شأن الغرائز الإنسانيَّة الأخرى؛ ولذلك كان «الدين والنبوَّات» أهم مصادر العون الإلّهيِّ للإنسان لتنظيم غرائزه وعواطفه، ووضعها في إطار «الهدى والحق»، لتُحقق للإنسان أفضل النتائج، وتعينه هذه المرة على الوفاء «بالعهد الإلّهيِّ» مع الله، واجتياز اختبار الابتلاء بنجاح. و«الخوف» متعدِّد المصادر، وما يخاف الإنسان عليه كثير؛ منه مَا يندرج في ضروريَّاته، ومَا يندرج في حاجيَّاته، ومنه مَا يدخل في كماليَّاته أو تحسينيَّاته، وخوف الإنسان على كل هذه الأمور يُحفِّزه إلى اتِّخاذ كل مَا في وسعه من جهد لحمايتها، وعدم إعطاء خصومه مِمَّن يخافهم عليها فرصة النيل من شيء منها، وقد يأخذ في دفاعه بوسائل قد يفقد حياته فيها؛ ولذلك فإنَّه في حاجة إلى ترتيب أولويَّاته؛ لأنَّه إنْ لم يفعل فقد يفرِّط فيما هُوَ أهم للدفاع عمَّا هُوَ أقل أهميَّة، فيستبدل: ﴿الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ (البقرة:61)

فما هُوَ موقع «الهجرة» وما حقيقتها، وما مفهومها؟ أهي هروب يقوم الإنسان به بدافع خوفه من عدو مستعلٍ هُوَ أقوى فلا يستطيع دفعه؟ أهي هروب بدافع الخوف على المال أو العرض أو الدين؟ أم هِيَ انحياز إلى جزء من الأرض يستطيع «الخائف» أن يأمن فيه على ذلك -كلِّه- حتى إذا قوي هُوَ أو ضعف عدوه، وصار قادرًا على دفع أذاه عاد إلى الموقع الَّذِي غادره؟

القرآن المجيد تناول الهجرة باعتبارها مفهومًا من مفاهيمه الكبرى، وإطارًا تدخل فيه مجموعة كبيرة من القضايا الأساسيَّة، قد تشتمل على المستويات الثلاثة «الضروريَّات والحاجيَّات والتحسينيَّات»؛ ولذلك وضع القرآن الكريم «الهجرة» بجانب الجهاد؛ بل هِيَ مقدمته التي تسبقه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ إِلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (التوبة:38-41).

وهذه الآيات الكريمة وضعت بين يدي رسول الله  -صلى الله عليه وآله وسلَّم- وأصحابه ثلاثة دعائم، هي: «الهجرة والنفرة والجهاد»؛ فالهجرة هِيَ خطوة أولى في بناء «المجتمع والأمَّة» القطب، والخيِّرة، والوسط التي تحمي «الحريَّات الإنسانيَّة كلَّها»، وتحمي حقوق المستضعفين في الأرض، وتجعل كلمة الله هِيَ العليا وكلمات أعداء الإنسانيَّة -من الطغاة- هِيَ السفلى؛ ولذلك أخذت الهجرة هذا الموقع المتميِّز، وأُرِّخ بها لبداية تكوين هذه الأمَّة.

مفهوم الهجرة: «الهجرة»: مفارقة الإنسان غيره، بالبدن أو باللسان أو بالقلب. و«الهجر» في قوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ (النساء:34) مفارقة المضجع المشترك بين الزوجين تعبيرًا عن عدم الرضا، أو لبيان القدرة على الفراق الكليِّ، وهو هجر جسديٌّ، وفي قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا﴾ (الفرقان:30) أي إنهم هجروا القرآن هجرًا شاملًا لشرائع القرآن الكريم، والالتزام بأوامره، واجتناب نواهيه، والتمسُّك بآدابه، والاعتبار بدروسه وقصصه وأمثاله، وهجروه بالقلوب القاسية؛ فلا تخبت و لا تخشع لآياته، ولا تلين لدروسها وحكمها، وهجروه بالِّلسان فلا يتلون القرآن الكريم إلا نادرًا، ولا يستمعون لآياته إلا قليلاً، وإذا تلا أحدهم القرآن فإنَّما يتلوه بقلب لاهٍ، وعقل ساهٍ، وقلب قد غطَّاه رين القلوب، وأغشية الذنوب، فصارت ذنوب القارئ حاجزًا وحجابًا مستورًا، يحول بين القارئ وفهم القرآن الكريم.

إنَّنا نستقبل عامًا هجريًّا جديدًا هو: (عام 1435ﻫ)، والهجرة تطوَّرت من حالة «الإذن بها» إلى أن تكون مأمورًا بها، فأشبهت تشريع «القتال»، ففي مكة كان -صلى الله عليه وآله وسلَّم- يصبر ويدعو أصحابه إلى الصبر، وعدم الرد على عمليَّات العدوان التي كان يتعرَّض لها هُوَ وأصحابه، ويقول لهم إذا اقترحوا عليه أن يردوا العدوان: «إنِّي لم أؤمر بقتال»؛ أي: لم يؤذن لي بالقتال دفاعًا أو دفعًا أو طلبًا، حتى إذا نزل قوله جلَّ شأنه: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج:39-40) كان ذلك إذنًا يحمل معنى الإباحة، للأمَّة أن تستفيد بهذا الإذن فتدافع عن نفسها، ثم تأتي (الآية 216 من سورة البقرة) تحمل الأمر بالقتال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾.

و«الهجرة» بدأت مفروضة على المؤمنين من الذين لا يؤمنون بالله ورسوله، ولا يتقبلون مبدأ «حريَّة الاعتقاد واختيار الدين» من طغاة المشركين والكفَّار على: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز﴾ (الحج:40) إلى الإذن بها مع الترغيب فيها: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (النساء:100)، ثم أمر بها: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ (النساء:89) وهذه عالجت موقف بعض مشركي العرب.

فالهجرة أهم وسائل بناء الأمَّة، واستقرارها في دار يسود فيها الإيمان، وتعلو فيها كلمة الله، وتضبط حياتها بضوابط القيم الإلهيَّة «التوحيد والتزكية والعمران»، وتأسيس دار للإيمان والمؤمنين، تضمن حريَّات الإنسان وكرامته ليتمكن من مهام «الاستخلاف» والوفاء بالعهد الإلهيِّ، والنجاح في ممارسة «الابتلاء»: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ (هود:7)… وبلوغ الجنَّة؛ ولذلك فإنَّ الله -تعالى- قد ردَّ على المستضعفين حين قالوا: ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء:97) بقوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء:97)، فأرض الله -تبارك وتعالى-كلُّها بيت للإنسان واسع، وحريَّة الانتقال والسفر جزء هام من مجموع حريَّات الإنسان، لا بد من حمايته والمحافظة عليه… وكل عام وأنتم بخير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *