Generic selectors
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in posts
Search in pages
Filter by Categories
أحدث الاصدارات
أخبار عامة
المحاور البحثية للأكاديمية
بحوث
حوارات
سؤال وجواب
سلسلة المفاهيم القرآنية
عام
فتاوى
قالوا عنه
كتب
كتب الأكاديمية
مؤتمرات وندوات
مقالات
مقالات الأكاديمية
Menu
مراحل نشأة وتطور الخطاب الإسلاميّ - نقد الخطاب الإسلامي المعاصر - الأنبياء والتجديد - نحو تجديد الخطاب القيميّ - الإنسان هدف العمران والحضارة - التجديد - مداخل فهم القرآن الكريم - تجديد الخطاب الديني- تاريخ الإشكال وراهنيته المعاصرة - ملاحظات سريعة حول إشكالية تجديد الخطاب الديني - المراجعات وتجديد الخطاب الديني في اللغة

المراجعات وتجديد الخطاب الديني في اللغة

أ.د/ طه جابر العلواني

ماذا نعني بالمراجعات

مقدمة

شاءت الإرادة الإلهية أن يحتل هذا الدين من مراتب الشرف أعلاها، ومن معاني الحق والخير والجمال أسماها، فهو دين ذو خطاب يتسامى على حدود الزمان والمكان، ويستعصي على التحريف أو الاندثار، ويمتلك فاعلية حضارية وقدرة ذاتية على التجدد والنهوض.

وقد شهد النصف الأخير من القرن الماضي يقظة إسلامية شملت معظم بقاع الأرض بما فيها مناطق الأقليات المسلمة في العالم، التي استيقظت على هويتها وعاد إليها وعيها بذاتها، وانتماؤها وهويتها الحضارية، فصارت تشيد المدارس والمساجد والمراكز الإسلامية في كل مكان، واطلق على تيارها بصفة عامة “تيار الصحوة الإسلامية”، وإذا أخضعنا تلك الظاهرة إلى نوع من البحث والتدقيق العلمي والمعرفي سنجد أن ما حدث كان جزءًا من صحوة دينية شملت العالم كله، وانطلقت تبحث عن الدين، والخطاب الديني في كل مكان، فكأن الأبعاد الغائبة عن هذه الحضارة المعاصرة جعلت الإنسان المعاصر في عطش شديد لإرواء عطشه، وبل غلته، والخروج به من حالة الجفاف واليبس التي صار إليها نتيجة حضارة عوراء قرأت الطبيعة ولم تقرأ الوحي الهادي فيها.

وكانت في حاجة ماسة إلى أن تعالج أمراضها بحضارة سوية تنظر إلى الأمور بعينين وتجمع بين قراءتين، فيكون لها عين على الوحي، وعين على الكون، يمشي في مناكب الأرض الممهدة وفجاجها وطباقها دون تحديد وجهة وقبلة من الوحي الهادي القائد المرشد لحركتها، والمسلمون حين بدأ الوعي الجديد يدب فيهم امتطوا إلى ذلك جوادين، جواد التراث الذي شكل لهم مصدر الفكر ومنبع النظر وجوادا آخر هو جواد المعاصرة التي شكلت التحدي وأيقظت فيهم قوى الوعي وشيئا من الرغبة بامتلاك الفاعلية والدافعية؛ ولأن الأحزاب والفئات وما عرف بالإسلام السياسي قد أقبلت على الوحي دون خبرة كافية أو دراية بمناهج التعامل مع هذا التراث بحيث يسدد بذلك خطاها وتحدد كيف تتوخى أهدافها بدقة، وتقوم بعمليات تقدير للموقف سليمة دقيقة لتكون على بينة من أمرها، ومعرفة لكل أبعاد أزماتها، وأزمات العالم من حولها، وأية أفعال يقوم بها الإنسان بناءًا على ردود الأفعال، فإنها قد لا تسمح له بأن يحسن التخطيط ويتقن التدبير ويستجيب للتحدي بما يوازية أو يكافؤه، فكانت النتيجة أن واجهت تيارات الصحوة في عالمنا الإسلامي الحضارة العوراء السائدة بحضارة عوراء أخرى، أعلت من شأن الوحي بشكل أو بآخر وقللت إلى حد ما من شأن الحضارة المتحدية، فكانت حضارة عوراء إلى حد ما، أو عشواء، تواجه حضارة عوراء، لا بالاستيعاب والتجاوز والتصديق والهيمنة بل بأسلوب أو منهج: ما عندي خير مما عندك. ومن شأن هذا أن يربك عملية التثاقف أو المثاقفة بين الحضارتين، وحين انحصرت تلك الموجة على المستوى العالمي تركت آثارا لا يستهان بها في الغرب وفي الشرق، لكن الغرب سرعان ما استعاد بشكل أو بآخر توازنه، أما عالمنا الإسلامي فقد بدأ يعاني من تلك الآثار معاناة لم تستطع مؤسسات النخبة الهشة فيه أن تقوم بمثل ما قامت به زميلاتها الغربية، فظهرت تيارات إسلامية كان لها وجود تاريخي في بعض مراحل التاريخ لتعود من جديد حية جذعة بثياب جديدة وبدأت تنتشر أفكار الغلو الذي صحب الانحرافات الفكرية والتطرف والاستهانة بالآخر لدرجة إلغاء حقوقه وحريته في التعبير عن ذاته وجعل عدمه أفضل من وجوده، وتكفيره وتفسيقه وتبديعه وتهديد وجوده وماله وعرضه بشكل كبير، فاستدعى مخاوف العالم كله بما فيها المخاوف التي كنا ظننا أنها قد انتهت في مقابر التاريخ بهداية القرآن المجيد الذي علمنا كيف نتجاهل ذلك ونحيده، ونبعده عن طريقنا بآداب: ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(البقرة:134)،

فأصرت بعض الفئات تستحيي ما خلى، وتعيد إنتاجه، يدفعها إلى ذلك فكر سكوني لا يعرف الصيرورة والتغير ولا أثر الزمان في الإنسان والأفكار والكون والطبيعة، وهكذا برزت أزمة “الخطاب الديني” بشكلها المعاصر، فهذه الأزمة أزمة كان يمكن أن لا يكون لها وجود، لو تنبه الناس إلى بعض الأمور التي سبقت إشارتنا إليها، وعرفوا أن الزمن لا يعرف السكون بل هو سائر قدما لبلوغ الغاية التي رسمها الله (جل شأنه) له ليبلغ بالإنسان أجلا مسمى، وأجلا مسمى عنده.

إن موقف المسلمين الذي ذكرناه يشفع له ويزكيه أنه مهما قيل فيه من خصومه وأهله فإنه محاولة في استرداد دور الأمة المسلمة في الشهود الحضاري، وتخليص العالم من شقائه وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ولكن لابد من التفكير ببعض الأخطاء والإصابات والانحرافات التي اعتورت المسيرة وشوهت شيئا من الصورة وألحقت غبشا في بعض الرؤى، فاختلطت بعض الأمور أمام الأمة، واختلت بعض مقايسها وموازينها وغابت منطلقات أساسية في مشروع بعثها الحضاري، ونحن في مراجعاتنا لفكرنا وتراثنا الإسلامي وموروث معارفنا وأفكارنا نحاول أن نعمل على تسديد الخطى وتقويم مسيرته والعمل وبيان أسباب الخلل وتحديد مواطن الإصابات، والدعوة إلى إحياء ركن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجزء منه النقد لبعض جوانب تراثنا والمراجعة والمناصحة والتصويب؛ لأن مستقبل الأمة المسلمة ليس مجرد مادة أو موضوع للبحث العلمي والدراسة الأكاديمية، وأمراض أمتنا لا يمكن أن تكون بالنسبة لنا مجرد ظواهر اجتماعية أو سياسية أو دينية فنحن جزء من هذه الأمة ينفعل بانفعالاتها ويتألم بآلامها، ويتداعى بالسهر والحمى بكل إصابة تلحق بها، فتحرك الأمة بشكل عام هو أملها وأملنا في مستقبل أفضل ورجاؤنا المنتظر وخيريتنا المرتقبة.

بيد أن عمليات المراجعة والنقد والتصويب والتقويم اليوم تبدو وكأنها أمر جديد على الساحة الإسلامية، بكل جوانبها وعلى الأزهر والجامعات الإسلامية بكل أصنافها، رغم عهدة التكليف والميراث الثقافي والأهمية القصوى في تراثنا لكل ما يحفظ المسيرة ويساعد على تسديدها، ولقد صرنا نرى الانزعاج عند ممارسة أي نقد لأي جانب من جوانب التراث أو تقويم له؛ لاقتران ذلك بأفكار التجريح والتهجم؛ ولأن تراثا واسعا قد قام بتكريس مكانة المتقدمين ومنحهم من الأوصاف ما لا يسمح بالمراجعة والنقد وقد ينظر بعضهم إلى النقد والمراجعة على أنه قاصر على أعداء الإسلام من مستشرقين وخصوم لا يريدون خيرا بهذه الأمة، ولا لها، خاصة إذا تعلق الأمر بنقد فقه أو قواعد أصولية أو رد لبعض أحاديث مما يختلف الناس في توثيقه وتضعيفه، فذلك كله قد يجعل من يستمع إلى النقد والمراجعة مهما كان محايدا ينظر للناقد أو المراجع أنه قد انضم بذلك إلى أعداء سلف الأمة الصالحين، والشرائح القليلة التي حاولت ممارسة النقد والمراجعة ودعت إليها في أدبياتها المختلفة ونسبت نفسها إلى الموضوعية والاعتدال وترحمت على من أهدى إليها عيوبها نجدها حين يوجه إليها النقد من الداخل أو الخارج سرعان ما ترفضه، وتنفي عن نفسها الخطأ وتنزه الذات والقيادة، عن الوقوع في الخطأ، وقد تحاصر الناقد وتعزله وتسلكه في عداد المتآمرين، ليس ذلك فحسب بل صارت الدعوة داخل المؤسسات المتعاملة بهذا الخطاب الديني ترفض إعادة دراسة أقوال أو أمور قد تم بحثها من السلف وسب من يحاول فتح الباب لمراجعة في مثل هذه الأمور فسرعان ما يقال له: من أنت؟ ومن أعطاك الحق في الخروج عن الإجماع أو قول الجمهور من الأئمة؟     

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *