Generic selectors
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in posts
Search in pages
Filter by Categories
أحدث الاصدارات
أخبار عامة
المحاور البحثية للأكاديمية
بحوث
حوارات
سؤال وجواب
سلسلة المفاهيم القرآنية
عام
فتاوى
قالوا عنه
كتب
كتب الأكاديمية
مؤتمرات وندوات
مقالات
مقالات الأكاديمية
Menu
أيحتاج القرآن إلى تفسير؟ - علماء ربانيُّون - آثار تجاوز علم الأولويات - فقه الأقليات - عوائق أمام المراجعات - أصول علم المراجعات - مداخل مراجعة القرآن الكريم- 2 - مداخل مراجعة القرآن الكريم-1 - الخطاب الإسلاميّ وثقافة الموت - ثنائيَّة الأصالة والمعاصرة

المدخل القرآني لقضيَّة بناء الكنائس بالجزيرة العربيَّة بين التدرج الديني والتطور التديني

أ.د.طه العلواني

     كافَّة الأنبياء والمرسلين جاؤوا برسالة واحدة، كان لابد لها أن تراعي القدرات والطاقات البشريَّة. ففي مراحل معينة لم يكن الإنسان يستطيع أن يعرف أكثر مما يطبقه عقله وقدراته الإدراكيَّة التي مرت بمراحل عديدة، فكان يكفي في بعض تلك المراحل أن يعلِّم الأنبياء الناس أنَّ لهم إلهًا واحدًا هو الله (تعالى) يتصف بجميع صفات الكمال، وهو منزَّه عن سائر صفات النقصان. عليهم أن يؤمنوا به ويعبدوه وحده لا شريك له. وفي مرحلة أخرى، يُعلَّم أنَّه إنسان، علاقته محكومة بقواعد تميّزه عن الحيوان الأعجم، فذكره وأنثاه لابد أن يكون زوجين، وتكون العلاقة بينهما هي العلاقة الزوجيَّة؛ ليكونا زوجًا وزوجة وأسرة تمتد في جذورها وفروعها وأصولها محكومة بتلك القواعد الشرعيَّة. فإذا تكونت مجتمعات، وبدأ الناس يتبادلون الطيبات فيما بينهم، وبدأت ظواهر سلبيَّة أو انحرافيَّة في المعاملات تظهر، يأتي الأنبياء ليصححوا الأوضاع ويعلموا الناس ويعرفوهم ما لهم وما عليهم؛ لتعود للأمور استقامتها ووضعها السليم. وهكذا حتى اكتمل الدين مع خاتم النبيين –صلى الله عليه وآله وسلم- ونزل قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا ( المائدة 3) .

    وأبا التدين، فإنَّ الناس قد تطوروا في تدينهم بحسب –أيضًا- قدراتهم الإدراكيَّة وفهمهم لدور الدين في حياتهم، واهتدائهم بما جاء به المرسلون أو عدم اهتدائهم بذلك. وكانوا –في كل تلك المراحل يطورون في وسائل وأدوات وأماكن تدينهم ومواسمها وأزمنتها وطرق أدائها وفقًا لما ذكرنا. ولذلك فقد كانت تظهر بدعٌ يبتدعها الإنسان أو يضيفها، إمَّا بناء على عدم اقتناعه بكفاية ما لديه وما عنده من وسائل التدين وأساليبه، وإمَّا لرغبته في مزيد من الممارسات للحصول على مزيد من الثواب أو ما إلى ذلك. وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك بنحو قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ (الحديد: 27).

    ومن حيث أماكن العبادة، فقد بدأت بأشكال مختلفة ثم تطورت إلى صوامع وبيع وصلوات وكنائس.. ولكل مكان من هذه الأماكن خصائصه وصفاته فأحيانًا تقام دور العبادة على قبور صالحين، وأحيانًا يصوَّر أولئك الصالحون وتوضع صورهم في المعابد، وأحيانًا تُقام تماثيل وأصنام في أنواع معينة من تلك المعابد.

    وتعد المساجد نهاية حلقة التطور في أماكن العبادة، وقد أفردت بكثير من الأحكام الخاصة، ومنها: أنَّ المساجد لله، ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (الجن 18) ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ (النور 36) . وأنَّها خاصَّة بتسبيحه وحمده: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ (النور:36- 37) ، وأنَّ سمة أمور كثيرة يجب أن تحفظ المساجد عنها؛ فلا سفه ولا ممارسات خاطئة يسمح أن تقع فيها –وهي في الوقت نفسه ينبغي أن تكون متاحة لكل من يريد أن يذكر الله (تعالى) وحده لا يشرك به شيئًا ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ (البقرة: 114).

    هذا إضافة إلى أنَّ الأرض كلها اعتبرت مسجدًا وطهورًا لمن يريد عبادة الله (تبارك وتعالى). لكن اختصاص المسجد بالمسلمين، والكنائس بالنصارى، والبيع باليهود.. اختصاص بشري فرضته الطبائع البشريَّة ودوافع التميّز والرغبة في الاختصاص ومشاكل ذلك، فصارت هذه الأدوار لمن تنتسب إليهم أكثر مما هي أماكن لعبادة الله (تعالى) وحده. وفي الممارسات الانحرافية، قد يحوّل الإنسان هذه الدور إلى أجزاء من أدوات الصراع والعنف المتبادل الذي قد يغطيه أصحابه بغلالة من الغيرة على الأماكن الدينية والمشاعر الدينيَّة للمتدينين الذين تنتسب تلك الأماكن إليهم.

    إنَّما غاية الدين هي إصلاح الإنسان وتزكيته وتعليمه كيف يؤدي دوره في إصلاح الكون وإعماره.. والكنيسة والمسجد والبيعة والصوامع وما إليها هي وسائل من وسائل التزكية والتربية والتدريب على التقوى، فتحويلها إلى أسلحة للصراع تدمير لرسالتها الحقيقية، وتقديم للوسيلة على المقصد والغاية، وتحويلها إلى أماكن ضرار وإضرار بالإنسان الذي هو هدف الدين وغايته ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (التوبة: 107-108) فلا بد من رفع وعي المتدينين من كل دين ومذهب لجعلهم يدركون أنَّ الوسيلة ينبغي ألا تكون سببًا في إتلاف من وُجدت هذه الوسيلة لإحيائه وتزكيته وتطهيره، ووضعه على طريق التقوى. فمن حيث المبدأ، نحن مطالبون جميعًا بحماية أماكن العبادة مع إيماننا بمبدأ تطور تلك الأماكن وبلوغها الغاية في المسجد. لكن سُنة الدفع والتدافع التي وضعها الله (تعالى) وأمر المؤمنين بمراعاتها تقتضي العمل على حماية هذه الأماكن جميعًا؛ خاصًة من حملة الرسالة الخاتمة والخطاب العالمي وأتباع خاتم النبيين وحامل شريعة التخفيف والرحمة المحكم للقرآن المجيد: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (الحج 40)

 هذا من حيث المبدأ. إذًا التدافع الذي كُلِّف به المؤمنون المسلمون جزء من مسئوليَّته حماية هذه الأماكن كلّها، مع العمل على وضع الضوابط الكفيلة بعدم تحويل شيء منها إلى مؤسَّسته ضرار وإضرار، “فلا ضرر ولا ضرار”. وقد تقدمت إشارتنا إلى مسجد الضرار ونهى الله تعالى نبيه –صلى الله عليه وآله وسلم- عن أن يقوم فيه أبدًا.

وهنا نصل إلى ما يؤدي بنا إلى تصور الأزمة الراهنة في هذا الموضوع.

أولاً: حفل التاريخ البشري بكثير من الممارسات الخاطئة. وأخطر الممارسات كانت تلك التي حدثت في عهد “حروب الفرنجة”. فحروب الفرنجة التي حاول البابا أربان الثاني أن يجعل منها “حروبًا صليبيَّة مقدسة عاثت في بلاد المسلمين التي مرت بها أو احتلتها فسادًا، وهدمت مساجدها وحولتها إلى كنائس ورفعت الصلبان عليها، وأزهقت أرواح المسلمين الذين كانوا يرتادونها أو يقومون على شئونها. ورأينا كيف أقاموا في البيت المقدس واحدة من أبشع المجازر في التاريخ وتوجوها بتحويل المسجد الأقصى إلى معبد لهيكل أو ما أسموه بهيكل سليمان وأقاموا في محرابه مذبحهم ولطخوه بدماء الخنازير كما ذكرت المصادر النصرانيَّة نفسها.

ثم تتابعت الأفعال وردود الأفعال. فالأندلس حولت جميع مساجدها إلى كنائس منها المسجد الكبير بقرطبة، ومساجد الزهراء حتى القصور؛ مثل قصر الحمراء بغرناطة. وقد سلكت الدولة العثمانيَّة مسلكًا غير ما سلكه صلاح الدين الذي اكتفى بتطهير المسجد الأقصى وإعادته لحالته الأولى، ولم يتعرض مثلًا لكنيسة القيامة ولم يمسها بل أبقاها تنعم بمثل ما ينعم به المسجد بل إنَّ مما يعرفه نصارى مصر ويشيد به بطارقتها علنًا أنَّ صلاح الدين قد أقام لهم خاصةً ديرًا ببيت المقدس سموه “دير السلطان” يقصدون صلاح الدين، الأمر الذي ذكّر الناس به الأنبا شنودة الثالث وذكر أنَّهم لم يمنعوا عنه إلا عقب احتلال اليهود لبيت المقدس عام 1967.

لقد كان هذا التداخل الطبيعي حاكمًا لمسيرة الحضارة الإسلاميَّة، حتى إنَّ نصارى مصر لا يزالون يرعون مسجد الحاكم بأمر الله الفاطمي داخل دير سانت كاترين بجنوب سيناء وفيه كان يعتكف رئيس مصر السابق أنور السادات.

أمَّا الدولة العثمانيَّة فنتيجة قربها من أوروبا وتبادلها الصراعات معها، فقد كانت قد حولت بعض الكنائس المهمة إلى مساجد دون المساس بعمارتها أو إحداث تغيير شامل فيها، فإذا ما انتصر الفرنجة هدموا ما يوحي بأنَّها كانت مسجدًا ليعيدوها كنيسة، ولكن ذلك من العثمانيين وغيرهم وخصومهم منافٍ لروح الدين وأهدافه ومقاصده. وعندما تطورت الأحوال وقررت أوربا القضاء التام على الدولة العثمانية وظفت هذه القضية وقضايا الأقليات المسيحية خاصة أسوأ ما يكون التوظيف لابتزاز الدولة العثمانيَّة وإضعافها والعمل على تفكيكها بعد إثارة الاضطرابات فيها، وجعل طوائفها في حالة صراع دائم لا يهدأ أو ينقطع إلى أن تفككت الدولة.

وفي عصرنا هذا، وبعد ظهور الدولة القومية، وانتهاء عصر الدولة الدينيَّة فيما عدا دولتي الفاتيكان وإسرائيل، حدثت هجرات لأسباب اقتصاديَّة وسياسيَّة وعلميَّة من العالم الإسلامي إلى الغرب، فاستوطنت جاليات مسلمة كثيرة بلادًا أوروبيَّة أو أمريكيَّة أو استراليَّة أو غيرها. ومن طبيعة تلك المجتمعات تشجيع مواطنيها على أن يكون لديهم انتماء وأن تكون لديهم خصوصيات في إطار العموميَّة والأكثريَّة السائدة. وبما أنَّ كل تلك الدول هي دول “علمانيَّة” انزوى الدين فيها إلى موقع الثقافة الشخصيَّة، وأخذت أماكن العبادة شكل مؤسَّسات للخدمة الاجتماعيَّة، إضافة إلى إيجاد نوع من الانتماء إلى هُوِيَّة في إطار الهُويَّة الوطنيَّة أو القوميَّة الكبرى لإثراء ثقافة تلك الشعوب، وتوسيع مداركها والاستفادة بذلك التنوع والتعدد فيها.. وهكذا صارت الأقليَّات المسلمة في الغرب تتخذ لنفسها مساجد ومراكز إسلاميَّة في الغرب لتأكيد هُويَّتها والمحافظة على بعض خصوصيَّاتها اللغويَّة والثقافيَّة. واتسعت الحريَّة والأنظمة الديمقراطيَّة القائمة على الأسس العلمانيَّة لقبول ذلك. وكانت أمريكا إلى ما قبل الحادي عشر من سبتمبر 2001 تفخر بأنَّها تضم أقليَّات دينيَّة ومذهبيَّة وعرقيَّة من سائر أنحاء الأرض، وأنَّ هذه الأقليَّات تعطي لأمريكا صفة التفرد والامتياز على جميع أمم الأرض التي لا تملك ذلك التنوع ولا تستطيع أن توجد مثله، فكنت تجد معابد السيخ والبوذيين والكونفوشيوسيين إضافة إلى الكنائس النصرانيَّة والطوائف اليهوديَّة والمساجد الإسلاميَّة والمراكز الدينيَّة المختلفة دون أن تسمع اعتراضات إلا من بعض السكان الذين يلجأون إلى المحاكم للاستفادة من قوانين منع الضوضاء، أو القوانين التي تحمي المناطق السكنية ذات الشروط الخاصة من وجود أماكن عامَّة قد تضايق سكانها بما يحدث فيها أو بمواقف السيارات التي قد تضيّق على السكان الأصليين وتجعلهم غير قادرين على الحصول على مواقف مناسبة لسياراتهم أو إعطاء أيَّة مظاهر لمناطقهم قد تقلل من أثمان مساكنهم عندما يريدون بيعها وكثير من تلك المشكلات كانت تحل بأشكال ودية من ناحية أو بمصالحات أو بأحكام قضائيَّة كثيرًا ما تكون لصالح المساجد والمراكز الإسلاميَّة.

وقد تغيَّر الحال بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 وغُيرت قوانين كثيرة في الولايات المتحدة من القوانين التي تيسِّر الهجرة وقبول اندماج المهاجرين في المجتمع الأمريكي خاصَّة.. واعتبرت المساجد بعد التحريض الشديد لوسائل الإعلام الذي كان يؤيّد أحيانًا بعض فلتات الرئيس بوش ووزير العدل الأسبق آشكروفت ورامسفيلد وغيرهم، والتي تحاول أن توصل الأمريكي العادي الذي لا يرى في المسلم إلا جارًا وصديقًا يوثق به، رسائل بأن راقب جارك فقد يكون إرهابيًا ما دام من المسلمين واعتبرت المساجد أو بعضها أوكارًا للإرهاب، أو أماكن قابلة لأن تكون كذلك، وبدأت تنتشر بواسطة بعض الأقليَّات الأخرى المتخوفة من الوجود الإسلاميّ في الغرب على مصالحها أفكار معادية للمسلمين، تربط بين ارتفاع أسعار البترول وإرهاق المواطن الأمريكي بما يترتب على ذلك، وبين المذهب الوهابي، وتحاول أن تصور ابتزاز السعوديين، وتصور للمواطن الأمريكي أنَّ ما صار ينفقه على وقود سيارته وغيرها يتجه إلى جيوب السعوديين ليبنوا به مساجد في أمريكا سوف تحول المجتمع الأمريكي عما قريب إلى مجتمع إسلاميّ لا صلة له بالكنيسة ولا بالمسيحيَّة.

وهذه الموجة من موجات الكراهية، جعلت الكثيرين من الأمريكيين البسطاء وبما يقولون: ماذا لو طلبنا من السعوديَّة أن تأخذ مساجدها كلها التي بنتها في أمريكا؟! مع أنَّ 99% من المساجد والكنائس قد بنتها الجالية المسلمة بأموالها وجهودها، دون إنكار لجهود وأفضال بعض ذوي الفضل من تجار الخليج وأصحاب الأموال فيه.

وفي الوقت نفسه، استغل بعض الكنائسيين من المسيحيين اليهود الذين يؤمنون بأنَّ المسيح لن ينزل إذا لم تنتصر إسرائيل على العرب والمسلمين وتقيم الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى. ولذلك فإنَّهم يقدمون دعمهم كلّه –وهم عدد لا يستهان به قد يتجاوز خمسين مليونًا من الشعب الأمريكي ولهم 1800 محطة تليفزيونيَّة وراديو إضافة إلى الصحف الكثيرة والجمعيَّات ويتمتعون بأموال وثروات طائلة- فهؤلاء يطالبون على الدوام بالتخلُّص من الوجود الإسلاميّ في الغرب حتى إن جيمي سواجرت- القسيس الشهير- حمل بيده –مرة- مصحفًا وهو يبكي ويولول في موعظة الأسد، وقال: هذا المصحف قبل خمسين سنة ما كان من الممكن أن تجدوا في بريطانيا إلا نسخة أو نسخًا معدودة، واليوم هناك مطابع في بريطانيا وألمانيا وأمريكا لطباعة وتوزيع المصحف، محاولًا في ذلك أن يؤلب المتدينين من أتباعه ضد الوجود الإسلاميّ، وضد المصحف الشريف وسائر مقدسات الإسلام.

وتحولت النغمة بعد ذلك إلى العمل على الضغط على دول الخليج وخاصَّة القائمين على الجزيرة العربيَّة لقبول فكرة بناء الكنائس والانفتاح على الأديان الأخرى وعلى أنماط تدينها، مع التدخل في برامج التعليم، وفيما يقدم للطلاب وما لا يقدم، ويستخدمون وجود الأقليَّات الإسلاميَّة كأهم حلقة في سلسلة أسلحة الابتزاز، وكأنَّ هذه الدول هي المسئولة عن الوجود الإسلاميّ، في حين أنَّ الوجود الإسلامي سابق لقيام كثير من هذه الدول أصلًا، وأنَّه ما بني مسجد ولا مركز إسلامي بتدخل رسمي مباشر من النظم العلمانيَّة وقوانين المواطنة والحريات الدينية. وحين يعوزهم بعض المال فليس غريبًا أن يلجأوا إلى البلدان التي جاء بعضهم منها ليستكملوا بعض النواقص من تبرعات أهل الخير. وأملنا كبير أن يتفهم الناس وخاصَّة المسئولين أن لا علاقة للسياسيين في أوروبا وأمريكا واستراليا بهذه الحريات.. إذ هي حريات تضمنها الدساتير وألا يعطوا فرصًا لابتزازهم باسم الأقليات الدينيَّة الإسلاميَّة فهذه الأقليَّات لم يستوطنها بناء على سياسات أو دعم رسمي من أيَّة حكومة شرقيَّة أو غربيَّة إسلاميَّة، بل ذهبت لأسباب مختلفة في موجات هجرة ألفتها البشريَّة منذ قديم الزمان طلبًا للرزق أو الأمن أو الحرية أو ما شابه ذلك. وهذه الضغوط التي تمارس لا تعدو أن تكون نوعًا من الابتزاز الرخيص الذي ينبغي لهم التنبه له، وعدم الخضوع لضغوط الضاغطين.

نرجع إلى النقطة الأخيرة؛ وهي نقطة بناء وترميم الكنائس المقامة في بلاد للمسلمين تعيش بينهم أقليَّات وطنية استظلت بنظم الإسلام قديمًا وحديثًا، فعاصرت الدول التي اعتبرت معهم باعتبارها “أهل ذمة” ثم عاصروا حكوماتهم عاملتهم في ظل النظام الملكي، ومارسوا حياتهم بشكل طبيعي. وحينما أقيمت هذه الدول القومية والإقليمية استمروا على حالتهم وعاشوا بين مواطنيهم يجري عليهم ما يجري على الآخرين.. فهذه هي التي سنقوم بمعالجتها في جلسة أخرى.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *