Generic selectors
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in posts
Search in pages
Filter by Categories
أحدث الاصدارات
أخبار عامة
المحاور البحثية للأكاديمية
بحوث
حوارات
سؤال وجواب
سلسلة المفاهيم القرآنية
عام
فتاوى
قالوا عنه
كتب
كتب الأكاديمية
مؤتمرات وندوات
مقالات
مقالات الأكاديمية
Menu
أيحتاج القرآن إلى تفسير؟ - علماء ربانيُّون - آثار تجاوز علم الأولويات - فقه الأقليات - عوائق أمام المراجعات - أصول علم المراجعات - مداخل مراجعة القرآن الكريم- 2 - مداخل مراجعة القرآن الكريم-1 - الخطاب الإسلاميّ وثقافة الموت - ثنائيَّة الأصالة والمعاصرة

الأمة والافتئات عليها

أ.د طه جابر العلواني

إنّ هناك – أمة مسلمة – تم تشكيلها بوحي إلهي ومنهج قرآني حتى غدت خير أمة أخرجها الله – تبارك وتعالى – للبشرية نموذجاً ومثالاً تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله. وعلى هذا الوحي بنت قيمها العليا الحاكمة وهي “التوحيد، التزكية، العمران” ثم مقاصدها الشرعية بمستوياتها المتعددة من ضروريات و حاجيات وتحسينيات تستند – كلها – إلى دعائم الوفاء بالعقود، وحفظ العهود، والقيام بالعدل، وتحقيق القسط، وأداء الأمانات إلى أهلها، والتسوية بين الناس، والقيام بواجب الاستخلاف، وعلى هذه الدعائم استطاعت أن تؤسس حضارة عدّها مؤرخو الحضارات أهم حضارة شهدتها الأرض من حيث إنسانيتها وانفتاح نسقها، وتجاوز حالات الغرور والاستعلاء الذاتي أو العلو في الأرض، والتمهيد لعالمية تقوم على قيم الهدى والحق، والعدل، تنظر للإنسانية – كلها – على أنها أسرة واحدة ممتدة انحدرت – كلها – من أبوين خلق الله تبارك وتعالى منهما كل البشر. وأن تكوينه – جلا وعلا – للبشر شعوباً وقبائل ذات ألوان مختلفة، ومواقع جغرافية متباينة، ولغات وألسن متعددة إنما كان ذلك – كله – لتحقيق التعارف والتآلف ثم التعاون على إعمار هذه الأرض وإقامة الحق والعدل فيها ونشر الخير في أقطارها، وتجنيبها كل عوامل الفساد والاضطراب وسفك الدماء، فتلك مهمة هذا النوع البشري، ومن أجلها اسُتخلف في الأرض، وتلك هي الأمانة التي أؤتمن عليها وبها.

ولقد أوضحت الرؤية الكلية لهذه الأمة أنَّ مهمة البشريَّة – كلها – هي مهمة واحدة هي “الاستخلاف” في هذه الأرض ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾(البقرة:30) وحمل الأمانة فيها ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾(الأحزاب:72) فالإنسان المستخلف هو المؤتمن بما منحه الله من عقل وطاقات وحرية واختيار على كل ما في الأرض وما عليها من موجودات بالإضافة إلى الأرض نفسها ﴿هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾(هود: 61) فالإنسان في رؤية الإسلام الكلية هو المسئول عن حماية كل ما في الكون، ووضعه باتجاه الغاية التي خلق الحق الخلق من أجلها، ثم قيادة قافلة التسبيح للحق تبارك وتعالى. تلك القافلة التي تنظم كل مخلوق ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾(الأنعام: 38) ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾(الإسراء: 44).

وقد قامت هذه الأمة بأمر الله وعليه فترة من الزمن، وأقامت العمران الإسلامي على ذلك، ثم طال عليها الأمد وأصابها ما أصاب الأحياء كلها ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾(آل عمران: 140) فتراجعت حضارتها، ولم تواصل مسيرتها المتقدمة تلك، فلم تستطع بعد ذلك المحافظة على وحدتها، ولا البقاء في موقع “الخيرية” الذي احتلته، ولا الاستمرار في موقع الوسطية الذي اختيرت له، ولا المحافظة على منصب الشهادة الذي انتدبت له: فخسر العالم بذلك خسارة كبرى لم تستطع البشرية تعويضها حتى اليوم فقد خسرت البشرية بتراجع “أمة الإسلام” الشاهد عليها الذي يمكن أن يحسم بحضوره وشهادته ما يقع بين البشريَّة من خصومات واختلافات ويمنع ما يمكن أن يقع فيها من بغي وظلم وعدوان، ويريها الحق حقاً لتتبعه، ويريها الباطل باطلاً لتجتنبه، ولقد خسرت بتراجعها الشاهد الذي يقوم على حماية القيم، وحراسة الأخلاق والشيم والمحافظة على تراث النبيين، وعلوم المرسلين فيبين للناس ما نزل إليهم، ولديهم الذي كانوا فيه يختلفون.

كما خسرت البشرية بتراجع “أمة الإسلام” النموذج الحي الذي يمكن أن تقتدي به، وتهتدي به سائر الأمم، لتقوم كونية البشرية، وعالميتها حين تقوم على قيم الحق والهدى والنور والتوحيد والتزكية والعمران، لا على مقاييس الاستكبار والاستعلاء في الأرض الذي يمارسه القادرون ضد المستضعفين فيضلونهم عن السبيل بقيم زائفة موهومة، وخرافات سموها زوراً وبهتاناً “نبوءات” وأضغاث أحلام نعتوها بأنها “إلهامات” وموروثات وثنية “هلينية وإغريقية ورومانية” اعتبروها أعلى ما وصلته البشرية، وأهم ما أنجزته الإنسانية!! أما تراث الأنبياء والمرسلين فهو عندهم ميدان للتسلية وتجنيد العامة، واستنزاف أموالهم وطاقاتهم، وأشغالهم بالذي هو أدنى في نظرهم. تلك بعض ما خسرته البشرية بتراجع “أمة الإسلام”.

إن البشرية قد فقدت منذ ذلك الحين القطب الهادي في ظلمات البر والبحر، والشاهد الأمين، والهادي والرائد الصادق الأمين. أما خسارة “أمة الإسلام” لنفسها وفي نفسها فهو أمر يجل عن الوصف ولو سودت فيه آلاف الصفحات لما بلغت منه نصيفه أو ثلثه، فمن يسهل عليه وصف ما حدث في هذه الأمة من فتن وبدع وانحرافات أدت إلى تفريطها بتراث النبيين والمرسلين الذي جدده محمد بن عبد الله – صلى الله عليه وآله سلم – وأورثه هذه الأمة ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾(فاطر: 32).

وإذا كان الله قد ضرب لبني إسرائيل مثلاً في قوله تعالى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾(الجمعة:5) فإن المسلمين للأسف الشديد قد حملوا القرآن فلم يحملوه إلا فترة من الزمن ثم سارعوا إلى هجره وتخلوا عن حمله، وتدبره وتعقله وتفهمه والتفكر فيه وترتيله وتلاوته حق تلاوته، فذلك شأن اختص به عصر رسول الله – صلى اله عليه وآله وسلم – حيث كانت آيات الكتاب تنزل على قلب رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – وهو يبلغ ما أنزل إليه، ويجمع أصحابه على آياته ويبينها لهم قولاً وفعلاً وتقريراً ويحولها إلى سلوك عملي وممارسة حياتية يحيون بها، ويعيشون عليها. فأي مثل يمكن أن يضرب لأولئك الذين حملوا القرآن؟ وأين التوراة من القرآن الحامل لتراث النبيين كافة، والنازل ليكون هدى للبشرية كافةً في سائر عصورها وكل أماكنها؟.

إن المثل الذي ضرب لبني إسرائيل أقل بكثير مما تستحق هذه الأمة أن يضرب لها مثلاً ؟ فقد حملت هذه الأمة القرآن ثم لم تحمله، وتجاوزته إلى ما ظنت – واهمة- أنه أيسر منه وأسهل، وأبعد عن الإجمال والاحتمال والإطلاق والتعميم. كما أن غيره يكون الخطأ في فهم دلالته، والمراد به خطبه أقل خطراً، وأبعد عن المسئولية. أما الخطأ فيه فخطبه أخطر وأكبر، ومهما كانت تلك التعلاّت فإنه ما من سبب أو تعلة يمكن أن يقبل لتسويغ هجر كتاب الله – تعالى – أو إهماله، أو اتخاذه عضين، أو مجرد شواهد مؤيدة لما يذهب إليه الفهم البشري سواء أكان فهم مجتهد أم مقلد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *