Generic selectors
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in posts
Search in pages
Filter by Categories
أحدث الاصدارات
أخبار عامة
المحاور البحثية للأكاديمية
بحوث
حوارات
سؤال وجواب
سلسلة المفاهيم القرآنية
عام
فتاوى
قالوا عنه
كتب
كتب الأكاديمية
مؤتمرات وندوات
مقالات
مقالات الأكاديمية
Menu
أيحتاج القرآن إلى تفسير؟ - علماء ربانيُّون - آثار تجاوز علم الأولويات - فقه الأقليات - عوائق أمام المراجعات - أصول علم المراجعات - مداخل مراجعة القرآن الكريم- 2 - مداخل مراجعة القرآن الكريم-1 - الخطاب الإسلاميّ وثقافة الموت - ثنائيَّة الأصالة والمعاصرة

أ/ مصطفى عاشور

علم المراجعات “منطلق الاجتهاد الفقهي”

أ.مصطفى عاشور

 يدعو الشيخ د. طه جابر العلواني في مؤلفه الجديد “نحو التجديد والاجتهاد” إلى تأسيس “علم المراجعات” الذي ينطلق من النظر الملتزم مع التراث ويرفض الدعوة إلى القطيعة مع التراث أو العمل على إلغائه والتنكر والتنصل، ولكنه نظر ينطلق من أرضيّة تراثيّة بهدف اكتشاف منهجيّة التراث وآلياته وقابليَّاته للتجدد وبغية إيجاد صلاحيّة مستمرة للتراث، والتواصل معه والتجدد والبناء عليه.

 هذا المشروع يهدف إلى مراجعة الفقه وأصوله، وعلم التوحيد، ومراجعة علم المقاصد، ومراجعة السنة الشريفة، وعلوم القرآن، وغيرها من العلوم التراثيّة أو النقليّة، كل ذلك بغية إعادة بناء وتقوية “المنظومة المعرفيّة الإسلاميّة” وتحقيق التواصل معها.

 ولعل البداية السليمة في رؤية العلواني تكمن في التأسيس لعلم جديد هو “علم المراجعات”، ذلك أن هو ملكة الاجتهاد إنّما تنشأ وتنمو بالنظر المستمر في المصادر الأصليّة، وليس بالنظر في الجزئيَّات، وبين الفروع التي يُنتج فيها بجهود بشريَّة، كانت هذه الرؤية هي حجر الزاوية لدخول الشيخ إلى البحث في أزمة المسلمين في التعامل مع علومهم ومعارفهم النقليَّة.

 والكتاب في حقيقته هو “كتاب منهج”، فهو يوحي بأنّه حلقة أولى تأسيسيّة في مشروع متواصل يحاول تجلية عدد من القضايا المهمة التي يرى الشيخ الباحث ألا تغيب عن المتعامل مع التراث الإسلاميّ، وفي مقدّمتها ملاحظته المنهجيَّة في أنّ القرآن الكريم كان بالنسبة للعصور الإسلاميّة الأولى هو المصدر المنشئ لكل ما تحتاجه الحياة؛ من عقيدة وشريعة ونظم وسلوك ومعاملات؛ لكنّه تحول في بعض العصور اللّاحقة إلى شواهد تعضّد ما يتوصل إليه الفقهاء من أحكام بنوها على أدلة مشتقة في اتخاذها من أدلة النظر.

 ورأى العلواني أنَّ هناك تصورًا خاطئًا تسرب إلى بعض العقليّات الفقهيّة عبَّرت عنه بعض المقولات، وأخذ ينتج آثاره السلبية في بناء أحكام فقهيّة؛ ومنها مقولة: “إنَّ النصوص متناهية، والوقائع غير متناهية”. ويرى العلواني أن هذا الموقف والرؤية القائمة عليه فيها مجال للنظر. جعلت الشريعة تابعة بعد أن كانت متبوعة؛ فأصبحت تتّبع ما اصطلح على تسميته “مصالح الناس”، وبذلك صار ما ينشئونه من فقه بناءً على تلك الأدلة المشتقة يحتاجون إلى تغطيته بغطاء شرعي بنسبته إلى الشريعة لأدنى ملابسة.

 علم المراجعات.. الفريضة الغائبة

علم المراجعات -من وجهة نظر العلواني- يزود صاحب الملكية فيه بالقدرة على تكوين الملكة الاجتهاديّة، ويمدُّه بالقدرات المعرفيّة والإبداعيّة، ويعيد للعقل المسلم تألُّقه وإبداعه. أمَّا “موضوع علم المراجعات” فهو العلوم النقليّة، ومراجعة نظريّاتها المعرفيّة ومصادرها ونماذجها ومناهج تكوينها، وهو ما يقود إلى نقد معرفيّ ومنهجيّ “لنظرية المعرفة المهيمنة على العلوم النقليّة” نقدا علميًّا، بحيث يمكن اكتشاف الإطار المنهجيّ لها، واكتشاف تأثيراته المتنوعة على تلك العلوم.

 هذه المراجعة للتراث وعلومه ونظريَّة المعرفة التي تهيمن عليه، ومناهجه وآلياته، لا بد أن تتم –في نظر المؤلف- من مداخل معتبرة منهجيًّا في مقدمتها:

 أولا: أن تأتي في ضوء النسق القرآنيّ، وذلك وفق ثلاثة عناصر أساسيّة؛ وهي:

  • “التوحيد الخالص”: لأنَّ ذلك هو أساس الدين، وله انعكاساته الكبيرة على قضايا المعرفة خاصّة في مجال الدوافع المحركة للإنسان، أو موضوعات ذلك العلم أو تساؤلاته المنهجيّة. كما أنَّ التوحيد يضع حدودًا وأبعادًا للدور الإنسانيّ في الكون. وللفعل الإنسانيّ ودوره في الصلاح والفساد في سائر شئون وشجون الحياة.
  • “التزكية”: حيث لا بد من ربط وثيق بين الرؤية المعرفية الإسلامية وبين العلم والتزكية؛ لأنَّها من غايات الدين ومقاصده. ولأن “التزكية” في نظر المؤلف تقف على قمة مؤهلات الإنسان للوفاء بالعهد الإلهيّ ومهام الاستخلاف وأداء الأمانة واجتياز اختبار الابتلاء.
  • “العمران”: لأنّ العمران هو جوهر الفعل الإنسانيّ في الكون، وبه تتجلى استفادة الإنسان من تسخير الخالق للكون، ومن ثم يصبح أي نوع من المعارف ينافي هذه المقاصد الثلاثة الكبرى خارجًا من دائرة العلم النافع أو المحمود.

 ثانيا: أن تتم المراجعة في ضوء مقومات العصر النبويّ باعتباره عصر التلقي والتطبيق وتأويل القرآن وتفعيله في الواقع، ووقوع ذلك تحت سمع وبصر الوحي المسدّد. وهذا يفرض على المراجع أن يعيش ذلك العصر، ويغادر إليه، ثم ينحدر منه في عصور الإسلام حتى يبلغ عصرنا هذا.

 ثالثا: أن تتم المراجعة في ضوء الفعاليّة المنبثقة عن هذه العلوم في معالجة قضايا الأمة، وفي ضوء القدرة الكامنة فيها على التجدّد الذاتي. ومعالجة المستجدات في قضايا الأمة.

 ورأى العلواني أنّ أصول “علم المراجعة” حواها القرآن الكريم، وأنّ القرآن يمتلك القدرة على مراجعة تراث المسلمين؛ اتّباعا لقاعدة منهجيّة عنده ألا وهي “هيمنة الكتاب وتصديقه وحاكميّته”.

 ومن ثم “فعلم المراجعات” ميدان معرفيّ وليد يعمل د. العلواني على بناء منطلقاته وأصوله وفق الرؤية القرآنيَّة؛ لأنَّ هناك علاقة وثيقة بين الفكر والحركة، وهي علاقة جدليّة ثابتة.

 والواقع أنّ التجارب أثبتت أنّ أزمة الإنسان كانت في التمسُّك بالخرافة، وتأليه بعض عناصر الطبيعة، وأن محاولات اقتلاعها كانت ضعيفة؛ لأنّ القضاء على الخرافة والأسطورة لا يتأتى إلا من خلال الارتفاع بالمستوى العقليّ والمعرفيّ للإنسان، لكنّ الخبرات أكدت أنّ الخلل في تنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم كانت هي دائما مصدر الخطر على البشريَّة. فكثيرا ما تدفع عمليّات الهيمنة إلى برمجة التجهيل، والتضليل والخرافة لفرض مزيد من الهيمنة على الشعوب المغلوبة المقهورة.

 المراجعة بين المحرقة والمقبرة”

 “التجديد” في حقيقته وإن نسب إلى أفراد، فإنّ الأصل فيه أن يكون حالة عقليَّة ونفسيَّة لمجمل الأمّة؛ لأن الأمة هي التي تحمل صفة الشهادة، ولعل أخطر ما يصيب الأمة من أزمات هو غياب حاسّة “النقد المعرفي”، وأن يتم سحب قداسة النصّ لتشمل ما بني حوله من اجتهاد وفكر بشريّ.

 هذا الأمر يؤكد أن “أهل التراث” هم أولى الناس بمراجعة تراثهم ونقده وتصفيته من الشوائب التي لحقت به، ومحاولة إبراز منهجيته باستمرار وتجليتها، لكن هناك عوائق تقف أمام عمليات المراجعة –في نظر المؤلف- منها:

  • أدلجة كثير من المقولات التراثيّة في مختلف “علوم المقاصد” في بعض المراحل التاريخيّة، ومن ثم يرى معتنقو هذه الأدلجة أنّ أيّ ناقد للتراث أو شيء منه إنما هو عدو للتراث يريد به شرًا، وأن المراجعة ما هي إلا عمليّة هدم تجب مقاومتها.
  • غياب الرؤية والارتباط عند بعض من يملكون القدرة على نقد التراث على أنَّه توجد علاقة وثيقة بين تردّي أوضاع الحاضر وثقافة وأفكار الماضي.
  • وجود تقاليد ثقافيّة تنطوي على حساسيَّات شديدة لأيَّة مراجعة لعلماء كرست مشروعيتهم التاريخيّة، وبالتالي يترسخ تصور أنّه لا فصل بين الرأي وقائله.
  • وجود رؤية تشبه اليقين عند البعض، أنَّ النقد المعرفيَّ هو عدوان على وحدة الأمة ودعوة إلى الفرقة وتمزيق روابط الأمة وتفتيت إمكان الإجماع.
  • فترات الصراع الطويلة مع الآخر جعلت من وحدة الرأي مطلبًا لأصحاب القرار والمسئولين بهدف تعبئة الأمة، هذا الاتجاه أوجد سعيا نحو تبرئة الماضي بما فيه من علل ومثالب، وأصبح تقديس الماضي يعبر عن العمل على حماية الهويّة في مواجهة الآخر.
  • إنَّ بعض المناقب التي أضيفت إلى الماضي ورجاله تمت كتابتها في أجواء صراعيّة جعلت أتباع المذاهب يبالغون في ذكر مناقب فرقهم وقادتهم، وبذلك أصبحنا ندور في دائرة تعظيم التراث وتجاوز سلبيَّاته، وتضخم الإحساس بالاستغناء عن المراجعة والنقد، وتحول مناقب المتقدّمين إلى درع واقٍ لهم من توجيه أي نقد إلى مقولاتهم ومذاهبهم.
  • تعرض بعض من شرع في نقد التراث ومراجعته لعمليات اضطهاد وأذى سواء من الحكام أو الجماهير جعلت المراجعة عمليّة خطرة تدور بين المحرقة (حرق الكتب)، أو المقبرة (التكفير والقتل)، رغم أنّ العلماء في القرن الثاني الهجري كانوا يرون عقليَّة التقليد هي عقلية العوام، حيث إن تلك العقلية ليس من طبيعتها النقد والمراجعة فضلا عن تبنّي مشروع للنهوض، حتى إنّ بعض قدماء مَن عُدُّوا من المجددين –أنفسهم- مثل الإمام “فخر الدين الرازي” (ت 606 هـ) خاف على نفسه بعد مماته فأوصى تلاميذه بأن يدفنوه سرا وليلا، وألا يدلوا على مكان مقبرته لئلا ينبشه مخالفوه في الرأي، أو المخالفون لأطروحاته.

 

 

 أين موقع تراثنا؟

 أين يقع تراثنا الإسلاميّ في منظومتنا المعرفيّة؟ تعد هذه العوامل من أهم القضايا المهمة في المنظومة المعرفية الإسلامية التي جعلت كثيرا من النقاد يتهيَّبون الإقدام على نقد شيء من التراث. ولكن التراث يندرج في دائرة النسبيّ الذي من الحق بل الواجب مراجعته ونقده والتصديق عليه بالقرآن الكريم، وبالتالي يصبح كل فهم بشريّ للكتاب، عدا فهم النبي الكريم صلى الله عليه وآله سلم، موضع مراجعة ونقد؛ لذا كان العلماء الأجلاء يرددون: “إذا صح الحديث فهو مذهبي”. “بعد اجتهاداتهم لئلا يقال: إنهم ردوا حديثًا أو تجاوزوا مرويا إلى قياس أو نحوه “.

 وأكد العلواني أنه بأفكاره التي يطرحها لا يقدم مراجعات شاملة للتراث، ولكن يثير قضايا وإشكالات تحتاج من الباحثين إلى تعميق وحفر معرفي، وكأنه في هذا يحاول مثل من سبقوه من العلماء أن يتجنب الاتهام بأنه تجرأ على نقد التراث، لئلا يوضع أو يضف أو يتهم بأنه يتماهي في موقفه من التراث مع ناقديه، وغير الملتزمين به من أبناء الأمة، ومن ثم تصبح الخطوة الأولى في أيَّة مراجعات هي فهم البيئة العربيّة والثقافيّة قبل البعثة.. وهذا الفهم يفتح أبوابًا لإدراك قضايا مهمة ومن بينها الاتصال الثقافيّ اليهوديّ بالعرب قبل البعثة وفي أثنائها. حيث كانت “الثقافة الشفوية” العربية مترعة بذلك التراث خاصة في الحجاز، حيث سكن اليهود الجزيرة قبل البعثة النبوية بسبعة قرون انتظارا لظهوره، وطمعا في أن يكون متصلا بأنسابهم. كما أكد بذلك ابن خلدون وغيره من المؤرخين.

 ويرى أنّ ذلك الاتصال أوجد تأثيرًا في بعض المعارف الإسلاميّة بعد ذلك بشكل أو بآخر، وتجلى ذلك التأثير في التاريخ، حيث أعطى مؤرخونا أهميَّة كبيرة للتاريخ اليهودي الإسرائيلي بكل تفاصيله، بل ذهب العلواني إلى أن بعض المفسرين تجاوز القرآن الكريم لصالح سفر التكوين في التوراة. وضرب على ذلك بعض الأمثلة؛ منها: تسميتهم أبا سيدنا إبراهيم –عليه السلام- بـ”تارخ” تبعا للتوراة بدلا من “آزر” كما جاء في القرآن الكريم.

 أما “علم الكلام” الذي كان مسئولا عن حماية وتعزيز عقائد المسلمين، فحسب العلواني، تسربت إليه بعض الإسرائيليّات، وأن فتنة “خلق القرآن” التي امتحن فيها الإمام أحمد بن حنبل وغيره أحد تجلياتها، وذلك كخطوة لتفي إطلاقيّة الكتاب ليسهل عليهم بعد ذلك الزيادة عليه والنقصان منه بدعوى النسخ، أو التخصيص… واعتبارها من قبيل الزيادة على النص.

 

 فقه الحيل

 رفض العلواني –في مراجعاته- مقولة “شرع من قبلنا شرع لنا؛ ما لم يرد ناسخ”، ورأى أنّ هذا الأمر أدى إلى تسريب الكثير إلينا، رغم وجود محدّد منهجيّ وفق الرؤية القرآنيَّة، أنّ المسلمين لهم شرعتهم ومنهاجهم الخاص بهم، ” ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ” (الجاثية 18). وأنّ الشريعة الإسلاميّة تحمل صفة الشمول والكمال ورفع الإصر والأغلال، ومن ثم كان تسرب الإسرائيليّات إلى الفكر الفقهيّ تحت ضغط وتصور “أنّ النصوص متناهية والوقائع غير متناهية” سببًا في أن أصبح الفقه الإسلامي في بعض جوانبه يتّسم بالإصر والعنت وعدم التيسير.

 ولذا تسرب “الفقه الدخيل” للأمَّة، وظهرت مقولات وآراء فقهيّة شاذة وغريبة؛ مثل: “زواج الإنسيّ بالجنّيّ” والعكس، وأطلق على بعض الفقهاء “مفتي الثقلين”، والقصاص في الشجاج، وأبواب الكفاءة في النكاح والإمامة على أسس قبليّة رغم أن العقل الفقهيّ الإسلاميّ الرصين كان يرفض مثل هذه المذاهب والخرافات، لكنها ما تزال موجودة متداولة في مصادرنا ومراجعنا الفقهية.

 كذلك أدى العنت إلى ظهور ما يعرف بـ”فقه الحيل”؛ والحيل الفقهيّة: هي الطرق التي يُلجأ إليها للتوصل إلى غرض ممنوع فقهًا، وقد لجأ البعض إلى هذه الحيل في ظل تناسي مبدأ “التيسير” في الشريعة الإسلاميَّة؛ فكيف يحتاج الناس إلى من يخلّصهم من شريعة بنيت ابتداءً على التيسير ووضع الإصر والأغلال؟!

 والتحليل الثقافي لنشأة هذه الحيل يشير إلى أنّ نشأتها كانت ردا على الاتجاهات الفقهيّة التي وضعت قيودًا على المسلمين في شريعتهم الميسرة، في ظل غياب “منهجيّة الكتاب المعرفيّة” عن بعض العقليَّات الفقهيَّة، كما أنَّها دليل على وجود ارتباك وإحساس بالحرج أمام جملة من القضايا الفقهيّة التي تبدو فيها شدة. وإصر وأغلال منفية نصا عن هذه الشريعة الخاتمة. كذلك أبرزت مشكلات عقليّة ونفسيّة كبيرة؛ منها التغافل عن “الكليات والغايات والمقاصد القرآنية”، وهو ما يخالف منهاج النبوة التي تعمل على إيجاد العقلية المقاصديَّة الكلية.

 

 

 

إشكاليات متنوعة

 ظهرت مشكلة أخرى في ظل التعامل مع الجزئيّات بعيدًا عن الكليَّات، وهي ظهور محاولات للتخلّص من الدليل الشرعيّ، وتقليص دوائر عمله، مع دعوى ظنّيَّة الأدلة النقليّة من الكتاب والسنّة النبويّة لخلو الساحة لأنواع الدليل العقلي الفطري المختلفة. وهذا الأمر ولّد الكثير من المعارك وجعل البعض يتمسك “بالدليل الّلفظيّ” حتى ولو كان أثرًا للصحابة، فظهر القول “بحجيّة قول الصحابيّ”. ولا دليل لهذا القول يمكن أن نبني عليه بشكل سليم.

 ويؤكد العلواني أنّ إشكاليّاتنا الفكريّة مع التراث الإسلاميّ متنوعة وكبيرة، ومن أخطرها ما يتعلق “بالفقه والأحكام”، حيث توجد مشكلة في الجانب الفقهي في التعامل مع القرآن، حيث نظر البعض من الفقهاء إلى أن القرآن الكريم مصدر للأحكام الشرعيّة دون أن ينتبهوا إلى البحث في القرآن باعتباره مصدرًا أساسيا للمنهجيّة المعرفيّة الضابطة للموضوعات بشكل كلي، والمنهجيّة كناظم معرفيّ ترد الكثرة إلى الوحدة، والمتشابه إلى المحكم، والمجمل إلى المفصّل، وتمتلك وعيا معرفيًّا ومنهجيًّا في التعامل مع النصوص.

 ورأى أنَّ هناك مجموعة من القضايا الفقهيّة التي تحتاج إلى مراجعة؛ منها: تقسيم الأرض إلى “دار إسلام ودار حرب”، وهو ما تمت فيه مراجعات من المؤلف وغيره وانتهت إلى رؤية تجديديّة فيه لها وزنها. لكن يرى العلواني أنّ التغيير والمراجعة يجب ألا يكونا بشكل جزئيّ، وألا يأتيا تحت إكراه الواقع، أو ضغط الثقافة الغربية السائدة لأنّ ذلك لن يعالج أزماتنا الفكريّة، ولن يبني عقليّة اجتهاديّة مبدعة.

 وهنا يعود بنا الكاتب للقول: إنَّ أقوال الفقهاء من التنوع والكثرة بحيث يستطيع الإنسان أن يجد فيها ما يستجيب لكل مستويات التشدّد، ويستطيع باغي التخفيف أن يجد فيها سائر مستويات التخفيف. ولكن المسألة ليست مسألة انتقاء تشديد أو تخفيف – وإن كان التخفيف من صفات شريعة القرآن اللازمة.

 فقه الأولويات

 احتل فقه الأولويات حيزًا لا بأس به في المشروع الفكريّ للدكتور العلواني في هذا الكتاب، وهو يعتبره فكر الأولويَّات؛ حيث إنَّ موضوعه في الأساس فكريّ قبل أن يكون فقهيًّا، ولتوضيح هذه الإشكاليَّة تؤكد التجربة أنَّ هناك جدلا كبيرا بين العالم التقليدي والعالم المفكّر في كثير من أرجاء العالم الإسلاميّ.

 فالتقليديّ يرى أنّه وارث مؤسّسة العلماء التقليديّة، والمفكر الإصلاحيّ حاول أن يعبر عن ضمير الأمة وأزمتها بالأساليب السائدة حاليًّا.

 غير أنَّ الحركة الإصلاحيّة استطاعت أن تتجاوز العلماء التقليديِّين ومؤسّساتهم، وفي فترة تاريخية امتد النظر الفقهيّ امتدادًا سرطانيًّا واسعًا وأصبحت أحكامه وفتاواه بالنسبة لبعض الحركات الإسلامية بديلا عن برامجها الفكرية والحضارية والعمرانية وأطروحاتها السياسية؛ بل تم اختزال قضايا العمران والبناء الحضاري في مجموعة من الفتاوى.

 وعند هذه النقطة حدثت حالة من الأزمة داخل الحركات الإسلامية؛ فتم الاستنصار بمعتدلي العلماء وفقهائهم على متشدديهم، وبالفقهاء الذين يملكون نظرة كلية وحضارية عن الفقهاء الجزئيين.

 وعندها ظهر “فقه الأولويات”، ولم يجد المفكر بدا من أن يأخذ الفقه كنوع من إسباغ الشرعيَّة على فكر الأولويَّات. ومن ثم تم الدخول إلى فكر الأولويات من باب الفقه، وهنا انتقل الجدل إلى الرحاب الأوسع وهو رحاب الكليات والمقاصد، وبدأ الاهتمام بالفكر المقاصديّ يتنامى.

 ويرى العلواني أنَّ “فقه الأولويات” ذو هِويَّة فكريَّة في الأساس، بل هو “الفقه الأكبر” للمسلمين، بل هو الإطار الحضاريّ للفكر الإسلاميّ؛ لذا طالب أن يكون “علم الأولويّات” وتحقيق الإدراك بهذا العلم لا يتم من خلال مدخل معرفيّ واحد، أو تخصُّص واحد، بل هو متعدّد المداخل والمعارف، ومن الضروري أن يكون معمولا به بدءًا من الفرد وحتى قضايا الأمة الكبرى.

 وقد نتج عن تراجع “علم الأولويَّات” وتجاوزه الاستغراق في الجزئيّات والتفاصيل والتقليد، وعدم التفريق بين الحق والرجال، وإضفاء الصنميَّة على الأفكار، والانشغال بالشعارات.

 فقه الأقليات

 فقه الأقليّات”: هو فقه نوعي يراعي ارتباط الحكم الشرعيّ بظروف الجماعة وبالمكان الذي تعيش فيه؛ فهو فقه جماعة محصورة لها ظروفها الخاصة، وما يصلح لها قد لا يصلح لغيرها، ويحتاج متناول هذا الفقه إلى ثقافة في العلوم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلاقات الدولية.

 ومشكلة الأقليات المسلمة لا يمكن إلا أن تواجه باجتهاد جديد ينطلق من كليات القرآن الكريم وغاياته ومقاصده وقيمه العليا.

 “الفقه الموروث” في مجال التنظير لعلاقات المسلمين بغيرهم في مجال العلاقات الدولية قد أصبح في أغلبه داخلا في التاريخ لأسباب تتعلق بالمنهج، وأسباب أخرى تتعلق “بتحقيق المناط والغاية”، وذلك لأنّ أغلب الفقهاء لم يأخذوا في تنظيرهم الفقهيّ لعلاقة المسلمين بغيرهم بمحدّد “عالمية الرسالة الإسلامية”، بل عبرت اجتهاداتهم عن نوع من الانطواء على الذات. كذلك فإنّ الفقهاء كانوا متأثّرين بالعرف التاريخيّ السائد في عصرهم في التقسيم الدوليّ للعالم “دار حرب ودار إسلام”، فابتعدوا عن المفهوم الإسلامي للجغرافيا ولم يؤصلوا له ويشيدوا قواعده.

 أضف إلى ذلك أنّ المسلمين طوال تاريخهم لم يعتادوا اللجوء إلى بلاد غير المسلمين طلبًا لحق مهدر أو هروبًا من ظلم واضطهاد، كما أنّ فكرة “المواطنة” لم تكن موجودة في العالم بالشكل القائم حاليا، خاصة بعد ظهور الدولية القوميَّة وإنما كانت المواطنة نوعًا من الانتماء الثقافيّ، حيث كان الانتماء السياسيّ يعتمد المعيار العقائديّ.

 واقترح العلواني مجموعة من المحدّدات المنهجيّة من الضروريّ اعتمادها في فقه الأقليّات، منها اعتبار الفقه الموروث ليس مرجعًا للفتوى في مثل هذه الأمور، بل هو سوابق للفتوى يمكن الاستئناس بها واستخلاص منهجيَّتها والبناء على ما يصلح منها، كذلك من الضروريّ محاولة الإجابة على الأسئلة الكبرى المتعلقة بالأقليّات، ومنها كيفيَّة الفصل بين مقتضيات المحافظة على الهُوِيَّة الثقافيّة الخاصّة، والهُوِيَّة الثقافيّة المشتركة.

 لكن تبقى القضيّة الكبرى للعقل المسلم في المجال الفقهي هي “إغفال المقاصد والأولويات”؛ فالمقاصد تعتبر وسيلة لفهم الوحي، والأولويات وسيلة لفهم الواقع، والمقاصد تتأسس على مبدأ اعتماد المقاصد العليا التوحيد والتزكية والعمران. الكليّات التشريعيّة، والبحث في عاداتها. أما “فقه الأولويّات” فيتأسس على فهم دقيق لوظيفة التدُّين؛ والتدُّين -في حقيقته- هو محاولة لتطابق الواقع البشريّ مع الوحي الإلهي.

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *