Generic selectors
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in posts
Search in pages
Filter by Categories
أحدث الاصدارات
أخبار عامة
المحاور البحثية للأكاديمية
بحوث
حوارات
سؤال وجواب
سلسلة المفاهيم القرآنية
عام
فتاوى
قالوا عنه
كتب
كتب الأكاديمية
مؤتمرات وندوات
مقالات
مقالات الأكاديمية
Menu
أيحتاج القرآن إلى تفسير؟ - علماء ربانيُّون - آثار تجاوز علم الأولويات - فقه الأقليات - عوائق أمام المراجعات - أصول علم المراجعات - مداخل مراجعة القرآن الكريم- 2 - مداخل مراجعة القرآن الكريم-1 - الخطاب الإسلاميّ وثقافة الموت - ثنائيَّة الأصالة والمعاصرة

أصول علم المراجعات

أ.د/ طه جابر العلواني

لقد أكدنا في المقالات السابقة ضرورة مراجعة هذه العلوم بمنهج القرآن، ونؤكد -هنا- اشتمال القرآن المجيد على أصول هامة كلية وجزئية لعلم المراجعات؛ فالقرآن قد قام بمراجعة تراث الأنبياء والمرسلين، ومراجعة تراث الأمم السابقة وحضاراتها وثقافاتها، وسائر أطوار نهوضها وتراجعها، ورقيّها وصعودها وتخلُّفها وانهيارها، وفي كل ذلك يبيّن الأسباب والعوامل والوسائل، وينبه على القواعد الحاكمة في ذلك – كلّه- وقد راجع القرآن تراث النبيّين -كافّة- وبيّن ما زُيِّف منه، وما دخله التحريف، وما ضيّعه الأحبار والربانيّون، وما كتبوه بأيديهم ونسبوه إلى الله افتراءً عليه، وراجع المعتقدات التي دعا الرسل إليها، وبيَّن كيف دخلها الغلوّ والتزييف، وأعاد عرضها بعد ذلك نقيَّة خالصة صافية، وكذلك فعل مع جميع الشرائع التي جاء بها المرسلون، وقد صرّح بأهم الأسباب التي تحمل أمم أولئك المرسلين على تحريف عقائدهم، وتزييف شرائعهم، والخروج على مناهجهم. وكلّما طال على الناس الأمد وقست قلوبهم، تستقر تلك التحريفات والمفتريات، وتتحول إلى ثوابت كما حدث لعقيدة الصلب والفداء والرجوع الثاني للسيد المسيح، والإعادة إلى الأرض المقدسة، وتأليه عزير والمسيح وغير ذلك.

ومن رحمة الله بهذه الأمَّة أن حفظ القرآن بنفسه، ولم يَكِل حفظه إلى أحد من خلقه؛ ليبقيه شاهدًا عدلاً على صحة الصحيح من رسالات الأنبياء، وزيف الزائف والمفترى منه، فهو المصدق المهيمن، والمستوعب والمتجاوز.

ومن مكنون هذا القرآن قدرته التامة على مراجعة «تراث المسلمين» الذي تأسّس وبُني حوله لاستجلاء معانيه، والكشف عن بيانه، فهو الكتاب الذي صُنعت هذه الأمَّة به، وبنيت به لبنةً لبنةً بنجومه وآياته، فالقرآن هو الذي يقرّر مدى صدق هذا التراث في التعبير عنه، والدلالة على معانيه ومكنوناته. والقرآن بحكم كونه مكنونًا يتكشف عبر العصور فإنَّه يملك قدرةً هائلةً على التصديق والهيمنة على ما يستجد بمثل مستوى قدرته على التصديق والهيمنة على ما قد مضى قبل نزوله؛ ولذلك فإنَّنا لا نرى مجالاً لمناقشة «عرض الحديث والتفسير وأصول الفقه والفقه واللغة» على القرآن المجيد، فللقرآن المجيد الهيمنة المطلقة والتصديق المطلق والحاكميَّة الشاملة كما نص على ذلك أئمة الأمَّة قديمًا وحديثًا، ومنهم الإمام الصادق والأئمة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، وسواهم نحو الفخر الرازي وابن العربي والشاطبي ومَنْ إليهم.

وقد عمل رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم- من بعد هدي القرآن على تعزيز دور «المراجعات» وضرورة القيام بها جيلاً بعد جيل وعصرًا بعد عصر، والتأصيل «للاجتهاد والتجديد» ما هو إلا تأكيد على وسيلة من وسائل تلك «المراجعات» وبناء الأصول المنهاجيَّة لها، وهي الأصول التي لا ينبغي أنْ تُغفل، وأنّ الغفلة عنها قد تؤدي إلى تعطيل ركن القيام بالمراجعات. ولو أردنا عرض سائر ما يؤصّل للمراجعات ويحدّد أصولها، ويؤكدها لاحتجنا إلى وضع كتاب من عدة مجلدات لبيان ذلك، ولعل في تأصيل كتاب الله لهذا الركن من أركان مرجعيّتنا ما يكفي للاقتناع بأهميَّة الوعي بضرورة المراجعات، وينبّه إلى سواه من الأصول.

كيفية القيام بمراجعات في التراث:

 عندما نلخص ما سبق، ونجعل منه تمهيدًا لما سيلحق في هذا الميدان الوليد الذي نعمل على تأسيسه وبناء قواعده وأركانه من منطلقات قرآنيَّة ليصبح علمًا يمكن أنْ نطلق عليه باستحقاق «علم المراجعات» أو «علم مراجعات العلوم والمعارف الشرعيّة»، ومن شأن هذا العلم أنَّه:

1- هو الذي سوف يوضح لنا مدى اتِّصال تلك المعارف أو العلوم بالكتاب الكريم؛ لمعرفة ما إذا كانت تلك العلوم قد أنشأها الكتاب الكريم «المصدر المنشئ»، أو أنَّها أُنشئت خارجه واتخذت من آياته شاهدًا ومعضّدًا؛ لأنّ إنشاءها انطلاقًا من القرآن يجعلها قادرة على الاستجابة لقواعد التصديق والهيمنة القرآنيَّة والاستيعاب والتجاوز القرآنييَّن، باعتبار القرآن المجيد هو المصدر المنشئ للعقيدة والشريعة والنظم التي بُني الإسلام عليها، وهو الذي يُعد مدار هذه المعارف كافَّة، سواء أكانت علوم مقاصد أم علوم وسائل.

كما بيَّنَّا أنَّ القرآن المجيد قد اشتمل على الكليَّات والمقاصد العليا الحاكمة، التي نستطيع بمقايسة هذه العلوم النقليَّة إليها أنْ نتبيَّن ما إذا كانت هذه العلوم قادرة على خدمة تلك المقاصد والغايات والكليَّات القرآنيَّة أم لا؟

وفي الوقت نفسه يتضح لنا بذلك ما إذا كانت تلك الكليَّات والمقاصد قد جرت مراعاتها في تناولات تلك العلوم ومسائلها، والملَّفات التي تكونِّها، والملكات التي تقوم عليها.

2- مدى اتِّصالها بالسنَّة النبويَّة، حيث مثَّلت هذه السنَّة سيرة وأفعالاً وتطبيقات مقترنة بالأقوال، أو أقوالاً شارحة مستقلة في حياته –صلى الله عليه وآله وسلم- تمثِّل منهج اتّباع النبي –صلى الله عليه وآله وسلم- للقرآن المجيد وتطبيقه في واقع متحرك، إضافة إلى تبليغ رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم- القرآن، وتعليم الناس آياته وتزكيتهم بها، وبيان ما جاء القرآن به في الواقع المعاش فكان شخصه –صلى الله عليه وآله وسلم- يمثِّل «المنهج» الذي على كل مَنْ يريد اتباع القرآن الالتزام والتأسِّي به في تطبيقه، وتحقيق ما جاء به في واقع الحياة.

أما بعد وفاته –صلى الله عليه وآله وسلم- فكانت روايات أصحابه وأهل بيته وآله  لكل تفاصيل حياته الشريفة وسيرته وممارساته بمثابة «المنهج السني البديل» الذي يساعد في حسن تطبيق ما جاء الكتاب الكريم به، وتمثيله في واقع الحياة؛ ولذلك فإنَّ مقايسة هذه العلوم إلى السيرة النبويَّة والسنن النبويَّة باعتبارها منهج اتباع القرآن المجيد تعد مسألة أساسيّة؛ لأنّها بمثابة عرض المسائل الجزئيَّة والفرعَّية على «المنهج الكليّ» للتحقّق من انضباط تلك الجزئيَّات والفرعيّات بالمنهج الكلي الضابط الصارم.

3- إنَّ علماء الأمَّة بعد «عصر التدوين» قد حدَّدوا لهذه العلوم جملة من «المبادئ» بحسب تعبيرهم – كما ذكرنا-، واعتبروا تحقق أي علم بتلك المبادئ – كلّها- شرطًا أساسيًّا لاعتباره علمًا، وهي حدُّه، وغايته، وفائدته، ومصادره وموارده، ومدارسه وسبل المهارة فيه وأهم الكاتبين فيه، وأهم كتبه، ومدارسه، وكيفيَّة بناء الملكة والقدرة فيه كما تقدم.

4- ونود أن نضيف – هنا – عاملاً آخر، وهو عامل «الزمن»؛ إذ أنّه ما دام لكل علم تاريخ ولادة وظروف نشأة، فذلك يعني أنّه ذو ارتباط بزمان ومكان وبيئة ومجتمع، من المهم – جداً- عند مراجعة ذلك العلم، ومحاولة الكشف عن إيجابيّاته وسلبيّاته ملاحظة ذلك كله، وهذا ما يطلق عليه «علم اجتماع المعرفة.«

إنَّ للظرف الزمانيّ تأثيرًا على المنتج المعرفيّ، فأحيانًا نلاحظ أنَّ المنتج المعرفيّ يتذبذب بين حالتي اعتدال وتعصُّب، وحالتي تجديد أو تقليد، وأحيانًا نلاحظ «اعتدالاً علمّيًا أو معرفيَّا» يحملنا على الإحساس بأنّ وراء ذلك الاعتدال فكرة مدروسة بعناية انعكس نقاؤها على ذلك المنتج ليجعل منه منتجًا معتدلاً، أو قادرًا على إنماء حس الاعتدال.

الفكر والحركة:

إنّ هناك علاقة وثيقة بين «الفكر والحركة»، بل هي علاقة جدليَّة ثابتة فلا حركة دون فكر وتصّور؛ ولا فكر دون منابع ومصادر ودواع ودوافع، ولا تستقيم الحركة دون خبرة، والخبرة – ذاتها- ناتج من نتائج الفكر والحركة.

و«الحضارة الإسلاميَّة والخبرة التي قامت عليها» أخذت وأعطت، وليكون الأخذ سليمًا فقد تعّرض القرآن المجيد لأهم خبرات وتجارب الأمم السابقة، وليكون العطاء قويمًا وقيمًّا كانت آداب المراجعة والمحاسبة والمراقبة والتجدّد والتجديد والاجتهاد والإبداع، فلو توقف شيء من ذلك لتوقف العطاء، أو لشابته الشوائب في أقل تقدير كما أشرنا.

إنَّ أزمة الإنسان الكبرى كانت في التمسُّك بالخرافة وتأليه بعض عناصر الطبيعة وهذه الأزمة -على خطورتها- ضعيفة مهما كانت عندما يوجد الفكر القويم، والتحرّك السليم، ونقاء المرجعيَّة، وعمليّات إقناع الإنسان بالتخلِّي عن الخرافة والتخلُّص منها عمليّة تتوقف على الارتفاع بمستواه العقلّي والفكري، ومساعدته على التحرك باتّجاه تجاوز «الحالة الإحيائيّة البدائيَّة».

لكن تنظيم العلاقة بين «الحاكم والمحكوم» كانت دائمًا هي الأخطر في حياة البشريَّة، فليس سهلاً رصد سائر «المتغيّرات والمعطيات والمقوّمات» التي تؤثر في هذه العلاقة بـ«استقراء تام» يحقّق التوازن الدقيق بين الحاكم والمحكوم، ويسمح للإنسان أنْ يفي بعهده مع الله وقيامه بمهمة الاستخلاف، وحفظه لأمانة الاختيار، ونجاحه في اختبار الابتلاء، وتحقيقه لقيم التوحيد والتزكية والعمران باعتبارها المقاصد القرآنيَّة العليا الحاكمة.

ولقد عرف الإنسان فكرة «القانون» دستورًا أو قوانين متفرّعة عنه لينظم هذه العلاقة. ولكنّ القانون نفسه لدى البحث فيه وفي فلسفته نجد فيه امتزاجًا بين أهم عنصرين في حياة الأمم والشعوب، وهما: عنصر الطاقة أو الفاعليَّة لدى الطرفين الحاكم والمحكوم، وهما طرفا الديناميكيّة في حياة الشعوب وعنصر القوة: قوة الشعب أو الأمَّة، وقوة الإلزام.

وتجاذب «القانون» بين الحاكم والمحكوم من الظواهر المعروفة في تاريخ البشريَّة، ومن هنا نستطيع أنْ ندرك الحكمة في بناء «الشريعة الإسلاميَّة» على «الوحي» لا على عمليَّات «المزج بين الطاقة الفاعلة والقوة» لتحقيق «العدل» والتوازن. ومن هنا – أيضًا- كانت القيمة العليا في الإسلام «العدل»، لا «الحرَّية» التي تأتي تالية له.

إنَّ الحاكم ليطغى أنْ رآه استغنى فيتألّه، ويحجب كل أنواع الوجود السياسيّ عن الأفراد الذين يحكمهم، وهو كثيرًا ما يقوم بعمليَّات تفتيت لشعبه ليجعل منهم مجرد أفراد فقط يسهل عليه إبراز أهميَّته وتفوُّقه عليهم، وهنا تبرز عظمة الإسلام في احتياطه لهذه الحالة بالتأكيد الدائم المستمر على مفهوم «الأمَّة»، فيغرس هذا المفهوم في العقيدة والعبادة والشريعة والنظم لتكون «الأمَّة» ضمانة حقيقية لنفسها والمنتمين إليها من استعباد الحاكم واستبداده، وتألُّهه وطغيانه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *