Generic selectors
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in posts
Search in pages
Filter by Categories
أحدث الاصدارات
أخبار عامة
المحاور البحثية للأكاديمية
بحوث
حوارات
سؤال وجواب
سلسلة المفاهيم القرآنية
عام
فتاوى
قالوا عنه
كتب
كتب الأكاديمية
مؤتمرات وندوات
مقالات
مقالات الأكاديمية
Menu
أيحتاج القرآن إلى تفسير؟ - علماء ربانيُّون - آثار تجاوز علم الأولويات - فقه الأقليات - عوائق أمام المراجعات - أصول علم المراجعات - مداخل مراجعة القرآن الكريم- 2 - مداخل مراجعة القرآن الكريم-1 - الخطاب الإسلاميّ وثقافة الموت - ثنائيَّة الأصالة والمعاصرة

أصول الدين وأصول الفقه والشريعة في الرسالة الخاتمة

أ.د/ طه جابر العلواني

جمعنا بين الأصلين أصول الشريعة وأصول الفقه؛ لأنَّنا نؤمن بالوحدة بينهما من حيث المرجعيَّة والمقاصد والأهداف والغايات؛ ولأنَّنا نريد أن نجعل من ذلك وسيلة لتقريب وجهات نظر السابرين في هذه الأمور كلها.

المصدر الأول والأخير والوحيد لكل ما ذكرناه هو القرآن المجيد، فالقرآن المجيد هو الذكر الحكيم والصراط المستقيم والنور المبين أصل لكل فرع، ولم يتفرع إلا عن الله (جل شأنه) لا شريك له في حاكميَّته، ولا ألوهيَّته، ولا ربوبيَّته، وقد جعل القرآن الكريم مصدرًا منشئًا للأفكار وأركان الاعتقاد، والإيمان، والتصور، لا يشاركه فيه أحد آخر، ولا يشرك في حكمه أحدًا.

وهو في الوقت نفسه المصدر الكاشف عن كل حكم أو أمر أمر الله به، أو نهي نهى عنه، وكل ما يترتب عليه.

الإنسان:

الإنسان هو المكلَّف المستخلف في أرض الله وملكه، فهو الجرم الصغير، الذي اجتمع فيه العالم الأكبر، وخصائصه:

وتزعم أنك جرم صغير *** وفيك انطوى العالم الأكبر

والإنسان في الوقت نفسه تبرز فطرته باعتبارها المتعامل الأول مع الوحي، فكأنَّه يقف في الوسط بين الكون وبين الوحي، ينظر في الكون من خلال حقيقته ووجوده، ويشعر بانتمائه إليه، وينظر في الوحي بفطرته التي فطره الله عليها، وحين يلتقي الاثنان فيه يبرز ذلك الذي سماه الله (جل شأنه) بالدين القيم، فالدين القيم جماع الطبيعة الإنسانيَّة البشريَّة والفطرة التي فطر الله الناس عليها.

وهنا يجتمع الثلاثة، الغيب الإلهي، والإنسان، والكون، ويبرز ما يمكن أن نطلق عليه جدل الغيب والإنسان والطبيعة، ليبرز من خلاله الفعل والتصرف الإنسانيّ بشبكة العلاقات التي ذكرناها.

وأصول الدين والتشريع تبرز في إطار هذا التفاعل الذي ذكرنا؛ ولذلك تجدنا نردد دائمًا ضرورة الجمع بين القراءتين، قراءة الكون وقراءة الوحي؛ لأنَّه بدون ذلك لن يستطع الإنسان أن يحقق التوازن المطلوب في تحديد سائر الشئون والشجون بين وجوده الطبيعي، وانتمائه إلى الكون، وبين الوحي الإلهي، والغفلة عن أي منهما لها آثار خطيرة على السلوك الإنساني، والفعل البشري، وآثاره وقيمته في هذه الحياة، وعلى ذلك فقد نستطيع القول: بأنَّ أصول الدين كله ومنه التشريع والفهم والفقه والحاكميَّة والكشف عن الأحكام ستتلخص بما يلي:

  • الكون.
  • الكتاب (الوحي).
  • الفطرة الإنسانيَّة.

ويفترض أنَّ الدراسات الأصوليَّة ترُكز في إيجاد توازن بين هذه الأطراف الثلاثة بحيث يؤدي ذلك التوازن إلى تقييم دقيق موزون لقيمة الفعل الإنساني، أيا كان، قلبيا كان أو من أفعال الجوارح، ووزن آثاره ومآلاته، بحيث يتمكن الإنسان من تحقيق غاية الحق من الخلق في العبادة والاستقامة والإحسان والعمران. ووسيلة الإنسان الأساسية لهذا هي الفهم.

الفهم:

– الفهم: هيئه للإنسان بها يتحقق معاني ما يحسن، يقال: فهمت كذا، وقوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ .. (الأنبياء:79)، وذلك إمَّا بأن جعل الله له من فضل قوة الفهم ما أدرك به ذلك؛ وإمَّا بأن ألقى ذلك في روعه، أو بأن أوحى إليه وخصه به، وأفهمته: إذا قلت له حتى تصوره، والاستفهام: أن يطلب من غيره أن يفهمه[1]. وأفهمته الشيء إذا شرحت له وبينت له ما يعينه على تصوره.

فالفهم ما يتوقف تفاعل الإنسان مع أي خطاب عليه، فأي خطاب يوجه للإنسان لن يكون قادرًا على استيعابه، وتنزيله في الواقع إلا إذا فهم فهمًا سليمًا، وإذا انحرف فهم الإنسان لخطاب ما أيًّا كان فلا أمل في حسن تطبيقه أو تنزيله في الواقع إلا إذا أعاد قراءة الخطاب وتدبره وأحسن فهمه ليحسن بعد ذلك العمل به، وتنزيله في الواقع بشكل سليم، وهنا تدخل قوى وعي المخاطب كلها من سمع وبصر وفؤاد وعقل وقدرات الإنسان من ذكاء وغباء وما إلى ذلك في عمليَّة تلقي الخطاب ومدى القدرة على تنفيذه في الواقع المعيش؛ ولذلك جاءت الأوامر الإلهيَّة بتلاوة القرآن حق التلاوة، وتدبره، وتذكره، وتعقله، وحسن اتباعه والاستماع إليه ليكون الإنسان قادرًا على الاستجابة لمقتضى الخطاب.

 وبذلك نستطيع القول بأنَّ أصول الدين والفقه أربعة: (الكتاب، الوحي، الكون، الإنسان، الفطرة) ثم تأتي المستلزمات من الفهم الذي لا يمكن أن ينفذ الخطاب وتحقق الغايات بدونه، ثم تأتي التزكية للإنسان وتدخل في إطار الشروط التي لابد منها لتمكين الإنسان من تلقي الخطاب والتفاعل معه، وحسن تنفيذه، ولابد من العناية بدور اللغة، والكلمة والقول، وكيف تؤدي اللغة دورها في هذا المجال.

وعلى هذا فستكون عندنا أصول أصليَّة، هي التي ذكرناها من الكتاب (الوحي)، والإنسان، والغيب، والكون، والفطرة، ثم تأتي الأصول التبعيَّة، وهي المستلزمات التي ذكرناها من الفهم والإدراك وجميع قوى وعي الإنسان من سمع وبصر وفؤاد، ووسائل وأدوات، والتي يتوقف الفهم عليها.

كما يستدعي ذلك استحضار الموانع من الحجب والرين، وما يؤدي إلى اضطراب الفهم أو قصوره، أو الانحراف أو الضلال فيه.

والأصل في البناء الشرعي أنه ما يبتنى عليه غيره، فكل ما ابتُني على غيره فهو فرع، وكل ما بُني غيره عليه فهو أصل لذلك الغير. فالكتاب الكريم والكون العظيم أصلان عظيمان يبتنى على كل منهما فروع كثيرة، فحين يقول الباري (جل شأنه): ﴿.. خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ..(البقرة:29) فهو يرسي دعائم أصل في غاية الأهمية، ولكن هذا الأصل ينتمي إلى الكون الطبيعي، فكأنه يقول: أنه (جل شأنه) قد أباح لنا نحن البشر المستخلفين كل ما خلق في هذه الأرض، إلا ما يتعلق به الاستثناء، وحين يقول (تبارك وتعالى): ﴿اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ * وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (إبراهيم:32-34) فذلك يعني أن الباري (سبحانه وتعالى) قد خلق هذه كلها لتكون نعما، ومسخرات، تيسر لنا القيام بواجب الاستخلاف، وأهلية التمكين، وهي آيات من الوحي.

 وحين يتجه الإنسان بفطرته بحثا عن حقيقة الخلق، ليهتدي لخالقه، فتلك فطرة الله التي فطر الناس عليها، ولا تبديل لخلق الله، وهي في الوقت نفسه توجيه للإنسان للقيام بما تدعوه إليه هذه الفطرة، وهذه كلها (الكون، الوحي، الفطرة) نستطيع اعتبارها منطلقات أساسية في التكليف، وكل منها نستطيع أن نولد منه آلاف الأسئلة بل ملايينها، ونجد الجواب عليها أو التوجيه نحو الإجابة عليها؛ لذلك يسوغ لنا أن نعتبرها أصولا أصلية يبتني عليها الفقه، والقواعد والإيجابيات التي تهم الإنسان في حياته، وبناء أفعاله، ووضع المواصفات الدقيقة لما بين تلك الأفعال من علائق، وكيفية ربط بعضها بالبعض الآخر، لتحدث آثارها وثمارها التي تتوقف الأمانة في هذه الحياة على إنجازها؛ ولذلك فإن المقدمات الأصولية لابد أن تتناول فهما للإنسان وتصورا لحقيقته، وللكون، والحياة، وللفطرة، والفعل، والفهم، والواقع المعيش، والماضي السحيق، والمستقبل المنتظر، فهذه كلها مما يساعد الإنسان على فهم دوره في الحياة، ووزن فعله فيها، وتشكيل الدواعي والدوافع لديه، للقيام بأفعاله قبل إيقاعها في الواقع. وبذلك تكون المقدمات الأصولية دائرة حول الوحي والكون والإنسان.

أما الأصوليون القدامى فقد شغلهم النص عن كل ما عداه، واستغرقوا فيه وفي بيانه، فلم يتبق لهم من الوقت ما يمكنهم أن ينفقوه في تلك المقدمات فانصبت كل الجهود في مجال اللغات والبيان؛ ولذلك لم يحدث التكامل المطلوب بين العناصر المكونة لهذا العلم، ولم يعرف الناس مع كثرة نداءات التجديد -تجديد أصول الفقه والفقه- ما الذي يطلب تجديده في ذلك كله؛ ولذلك رأينا أن نستدعي القضايا الغائبة عن هذا العلم، وننبه إلى أسباب غيابها وأننا حين نستحضرها ففي أي إطار نستحضرها اليوم.

وحين نلاحظ التآليف الأولى في علم أصول الفقه نجد مصداق ما ذكرنا، فالإمام الشافعي –يرحمه الله- بدأ بكيف البيان، أي بيان الكتاب الكريم والأحكام التي اشتمل عليها، فذكر البيان الأول، والبيان الثاني، والبيان الثالث، والبيان الرابع، والبيان الخامس، وعندما ننظر في هذه البيانات نجد أن الثلاثة الأولى منها تنحصر في بيان القرآن بالقرآن، وأما البيان الرابع فهو في بيان الكتاب بالكتاب والكتاب بالسنة، وهو البيان الذي نستطيع أن نعتبره في إطار البيان التطبيقي أو التفعيلي لنص الكتاب، والبيان الخامس هو البيان بالاجتهاد البشري، فكأن الإمام قد استوعب تلك المقدمات التي ذكرنا كلها في تلك البيانات الخمسة.

فنحن نرى الإمام الشافعي قد درس الواقع الفقهي والأصولي الذي بلغته الأمة في عصره، بعد كل ما مرت به خلال القرنين الأول والثاني، وحاول أن يضع كتابا في أصول الفقه يسدد حركة الاجتهاد؛ [2]لذلك لم يكتف الشافعي بتأسيس السنة على الكتاب، بل حاول تأسيسها على أنها جزء عضوي في بنائه من الوجهة الدلالية. بحيث صار مجرد ذكر الكتاب يستدعي السنة النبوية المطهرة، ومن الصعب أن يستسيغ سمع المسلم كلمة الكتاب وحدها، بل لابد من أن يضاف إليها وعلى الفور السنة النبوية المطهرة.

 

[1] مفردات غريب القرآن، الأصفهاني 2/206.

[2] نصر حامد أبو زيد، الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية، ص 88.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *