Generic selectors
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in posts
Search in pages
Filter by Categories
أحدث الاصدارات
أخبار عامة
المحاور البحثية للأكاديمية
بحوث
حوارات
سؤال وجواب
سلسلة المفاهيم القرآنية
عام
فتاوى
قالوا عنه
كتب
كتب الأكاديمية
مؤتمرات وندوات
مقالات
مقالات الأكاديمية
Menu
أيحتاج القرآن إلى تفسير؟ - علماء ربانيُّون - آثار تجاوز علم الأولويات - فقه الأقليات - عوائق أمام المراجعات - أصول علم المراجعات - مداخل مراجعة القرآن الكريم- 2 - مداخل مراجعة القرآن الكريم-1 - الخطاب الإسلاميّ وثقافة الموت - ثنائيَّة الأصالة والمعاصرة

أبعاد غائبة عن فكر وممارسات الحركات الدينيَّة

أ.د: طه جابر العلواني

هذا عنوان محاضرة قامت على بحث أعددناه بهذا العنوان عام 1992م، قدمت المحاضرة البحث أول ما قدمت في أهم معهد ثقافي في كوالالمبور عاصمة ماليزيا، في لقاء ثقافي عالي المستوى دعى إليه داتو سري أنور إبراهيم، نائب رئيس وزراء ماليزيا -آنذاك، ووزير ماليتها، الذي كان يهيئ نفسه لتسلم قيادة ماليزيا من ثعلب السياسة الماليزية المخضرم داتو سري محاضر محمد.

من المعلوم أنَّ أنور إبراهيم كان قد انضم إلى الحزب الحاكم وركب السياسيين الماليزيين في السبعينات من القرن الماضي، وذلك حين كانت رياح “الصحوة الإسلاميَّة” تجتاح العالم مصحوبة بتفاؤل الإسلاميين وحذر ومخاوف خصومهم من وصولهم إلى السلطة، حيث كانت الحركات الإسلاميَّة في سائر أنحاء الأرض تتوثب للوصول إلى السلطة في بلدانها وإقامة أنظمتها التي كثيرًا ما نادت بها وبشرت بها وأعلنت أنَّها الحل لمشكلات هذه الأمَّة، تحت شعار “الإسلام هو الحل”، أو أيَّة شعارات أخرى مماثلة لهذا الشعار أو قريبة منه، كان المراقبون السياسيون آنذاك يرشحون مصر وإيران وإندونيسيا لتكون نقطة انطلاق التجربة الإسلاميَّة واندفاع موجاتها الأولى نحو أهدافها.

        وكنت واحدًا من أولئك المراقبين لأحوال المعنيين بتحليل الأوضاع والسياسات، ومحاولة قراءة المستقبل بصورة دقيقة، فاستبعدت أن يتم التفجير في مصر أو أن تكون مصر هي منطلق الصحوة التجريبي -لأسباب سآتي إليها- وفي الوقت نفسه استبعدت أن تكون إندونيسيا هي بلد الانطلاق الأول للتجربة الإسلاميَّة، ذلك لأنَّ إندونيسيا رغم كل ما لديها من إمكانات لكن وجودها في المنطقة الأسيويَّة يجعل منها المرشح المرجوح، إذ إنَّ حولها الصين الناهضة، وهناك اليابان وهي القوة الاقتصاديَّة العالميَّة المعروفة، وهناك التاريخ الأسيويّ والتنوع الدينيّ والثقافيّ في المنطقة الذي قد لا يسمح بأن تكون التجربة ناجحة، إضافة إلى عائق اللغة واللسان، والبعد عن قلب العالم الإسلاميّ والعربيّ الذي له تأثيراته في عمليَّات الانطلاق، وهي المنطقة الواقعة في الوسط بين الحرم المكي والمسجد الأقصى وما بينهما وما حولهما من بلدان وشعوب وقبائل، إضافة إلى الجوانب الاقتصاديَّة التي لا تخفى، فالمنطقة مؤثرة في العالم كلّه بمواردها الطبيعيَّة وخاصَّة البترول، وإمكاناتها الماديَّة والبشريَّة، وارتباط مصالح العالم وطرق مواصلاته بها أو فيها؛ لذلك كان المرشح عندي في تلك المرحلة لأن تفجر فيه الصحوة وتنطلق منه انطلاقتها الأولى هي إيران.

ففي إيران نظام مهترئ يحمل من أسباب السقوط الشيء الكثير، ولم يستطع العيش بعد انتفاضة مصدق والكاشاني ورجال الدين بعد ذلك إلا بحبل من الله وحبل من الناس، واستطاع أن يحظى بنوع من التأييد الغربيّ والثقة الإسرائيليَّة في تلك المرحلة التي تجعل عمليَّة الانتصار عليه بحركة إسلاميَّة قوية وسيلة تنفيس للصحوة الإسلاميَّة على مستوى عالميّ، في الوقت نفسه تكون هناك لدى صناع القرار قدرة على الهيمنة على أيَّة تداعيات أو أعراض جانبيَّة قد تحدث في تلك المرحلة.

وكنت أعزز رأيي –آنذاك- بمقولة لأحد الساسة البريطانيين قالها في محاضرة ألقيت بعد أن نكثت بريطانيا عهودها للشريف حسين، فلم تعينه كما وعدته إذا ناصرها على الأتراك خليفة على رأس دولة خلافة عربيَّة تخلف الدولة العثمانيَّة في حكم العرب والمسلمين، كانت مقولة ذلك السياسيّ البريطانيّ حين سئل لما تخليتم عن الشريف حسين، وسمحتم بانتصار ابن السعود عليه، وإخراجه ذليلًا من الحجاز، فقال الرجل الذي كان يمثل خلاصة التجربة البريطانيَّة: “إنَّ ابن السعود لم يكن يتجاوز في طموحه الحجاز وشبه الجزيرة العربيَّة ولم يكن يتطلع إلى بناء خلافة إسلاميَّة عربيَّة، بل هو حذر ومستعد لأن يلتزم بالوقوف على الحدود التي حددت له لا يتجاوزها، أمَّا الشريف حسين فقد كان منذ البداية حريصًا على أن يكون خليفة لعرب تتوحد كلمتهم حوله، وحول خلافته، وهذا ما لا تريده بريطانيا ولا ينسجم والمصالح الغربيَّة بحال؛ فلذلك كان على بريطانيا أن تضحي بصديقها الذي خدمها خدمات جليلة في هزيمة العثمانيين وتنفيه إلى قبرص إلى أن وجدت لبعض أبنائه في الخارطة العربيَّة العراق وشرق الأردن مكان، فعيَّنت فيصل ملكًا على العراق وعبد الله ملكًا على شرق الأردن”.

فإيران بحكم كونها محضن التشيع في العالم الإسلاميّ وموئله سوف يحدد لها تشيعها ميدان نفوذها، حيث لا تستطيع أن تمتد في المحيط السنيّ، ولا أن تضمه إلى دوائر نفوذها أو سلطانها؛ ولذلك فإنَّ تفجير الصحوة فيها أولًا سيجعل كل ما اكتنزه العقل والوجدان الإسلاميّ حول موضوع الخلافة والأمَّة ينصب في تلك الدائرة الشيعيَّة مذهبًا الفارسيَّة عنصرًا الإيرانيَّة جغرافيةً، وكل ذلك لن يسمح لها بتصدير الثورة ولا استلحاق بقيَّة أنحاء العالم العربيّ والإسلاميّ بها، إذا لابد أن تكون إيران والحالة هذه هي الموقع الأول الذي تنفس الصحوة الإسلاميَّة فيه عن طموحاتها وتطلعاتها، ومع ذلك فقد كان الغرب يعمل على الدوام على تذكير إيران بالأبعاد التي تفصلها عن بقيَّة أجزاء العالم الإسلاميّ، وتحذرها من أن تنسى نفسها أو تعمل على تصدير الثورة الإسلاميَّة لغيرها أو محاولة استلحاق أي بلد مسلم عربيّ كان أو غيره لمناطق نفوذها. وبذلك تحقق للمسلمين شيء مما يريدون وبشكل لا يضر بالمصالح الغربيَّة كثيرًا ولا يؤثر عليها تأثيرًا سلبيًّا في الواقع المنظور أو المستقبل القريب.

لكن الشباب واتجاهاتهم لم يكن يقف دون تأييدهم لما حدث في إيران حائل، إلا أنَّ من حسن الحظ أن التأييد أخذ أشكالا سياسية لا مذهبية في تلك المرحلة حيث لم تكن الثورة في إيران معنية بادئ الأمر في نشر التشيع في العالم السني أو تصدير ثورتها إليه مما جعل التأييد على أهميته تأييدا يأخذ الصفة السياسية لا التحولات المذهبية، ولو أنَّه منذ البداية اتفقت وسائل التأييد السياسي مع الانتشار المذهبي لوجدت الثورة مقاومة شديدة في وقت قد لا تكون لديها فيه قدرة على تحمل الضغوط الشديدة وقد تنهار، أو تدفع ثمنا غاليا لا قبل لها به يفوق بكثير ما دفعته نتيجة الحرب المفروضة من صدام وحزب البعث العراقي، على كل حال عبر كل تلك السنين قد تم امتصاص الثورة وتحجيم آثارها وتحويلها إلى ثورة محاطة بحاصرتين حاصرة المذهب الشيعي والقومية الفارسية، وبذلك حوصرت، وإذا عدنا للسياسي البريطاني الذي وازن بين تأييد بريطانيا لعبد العزيز آل سعود والشريف الحسين نجد الدوافع السياسية البريطانية كانت متوافرة في اختيار نقطة التفجير للصحوة في العالم الإسلامي، فهم اعتبروا أنَّ عبد العزيز آل سعود قد تم عزله عن العالم الإسلاميّ حين عزل المذهب الوهابي كله في حرب الدولة العثمانية على الدولة السعودية الأولى، ولا يستطيع سياسي سعودي أن يتطلع إلى الامتداد خارج تلك الدائرة، وكذلك الحال بالنسبة للشيعي الإيراني.

ماليزيا والثورة:

ماليزيا في تلك المرحلة لم تكن بدعًا من العالم الإسلامي، فقد كانت رياح الصحوة تجتاحها، وكان رمز تلك الصحوة الشاب المسلم أنور إبراهيم، الذي دخل السجن عدة مرات لكونه رئيسًا لمنظمة الشباب المسلم الماليزي أبيم (ABIM) ويبدو أنَّ رئيس حزب إمنو الحاكم وهو سياسي مخضرم قرر أن يستبق الأحداث ويحاول المحافظة على وحدة الماليزيين خاصة “البومي بترا” –أي أبناء الأرض- فاتصل بأنور إبراهيم وعقد معه صفقة سياسيَّة وأخرجه من السجن وعينه وكيلا لوزارة الشباب، ثم وزيرا لها، وبعد ذلك نقله إلى وزارة التربية فالزراعة فالمالية، وأدرك الناس كافَّة أنَّ الدكتور محاضر يهيئ أنور إبراهيم ليكون خليفته في قيادة ماليزيا، وحزبها الحاكم، وقد أثار ذلك جدلًا واسعًا بين الإسلاميين الذين كان يتصدرهم الحزب الإسلامي الذي عرض على أنور رئاسته على أن يتخلى عن عرض محاضر محمد، ولا يشاركه في حزبه وسلطانه.

لكن أنور ترجح لديه أن ينضم إلى إمنو، وإلى الحكومة على أن يكون رئيسًا للحزب الإسلامي، وشنت عليه في حينها حملات واسعة لم يدخر فيها خصومه من الإسلاميين سلاحًا من الأسلحة ومنها سلاح التكفير إلا واستعملوه لعلهم يفسدون اتفاقه مع محاضر، ومحاضر من وجهة نظره كان يرى أنَّه بكسبه لأنور سيعطي حزبه دمًا جديدًا يجعل المتدينين في حزبه وخارجه مطمئنين إلى أنَّ الحزب لم يكن مغاليًا في علمانيَّته، وأنَّ قبوله لأنور وتعاونه معه يؤيد هذا المعنى ويؤكده، وفي الوقت نفسه سوف يجعل الماليزيين يدركون أنَّ الإسلاميين المعتدلين الذين يحملون روح التجديد والوسطية والمعاصرة مرحب بانضمامهم إلى الدولة وحزبها، وبذلك استطاع أن يجتاز تلك السنوات التي عرفت بسنوات الصحوة الإسلامية، دون خسائر وأن يكون الجدل بين الإسلاميين أنفسهم لا بينهم وبين الحزب الحاكم والسلطة التي انبثقت عنه، وقد انتهت التجربة حين شعر محاضر بأنَّ أنور لم يعد ذلك الإنسان الذي يستطيع محاضر أن يضعه حيث يريد بل أصبح شخصيَّة مستقلة لها مركزها في الحزب والدولة ولها رجالها وحواشيها في كل مكان في البلاد، وصار بحيث لو أراد أن يرشح نفسه ضد رئيسه لربما انتصر عليه أو زاحمه بالمناكب، فقرر محاضر إقصاءه والتخلص منه في عام 1998م، وانتهت تجربة التحالف الإسلامي العلماني في ماليزيا بالفشل.

المفاهيم وتراجعها واستبدالها:

بعد الثورة في إيران وسائر الأحداث التي تلتها التي همشت الرابطة الإسلاميَّة بين الشعوب المسلمة، وكشفت عن ضعفها وعجزها أمام الدبابات والطائرات التي بقي صدام يستخدمها في الحرب بينه وبين إيران، فجأة وجدنا أنفسنا في حرب هذه المرة بين العراق والكويت انتهت باحتلال الكويت وبتدمير علاقة العراق بدول الخليج، واختفاء عدد من المصطلحات والمفاهيم، ومنها الصحوة الإسلاميَّة والرابطة الإسلاميَّة والثورة الإسلاميَّة والقوميَّة العربيَّة، وما إلى ذلك، فإنَّ أمريكا قد استطاعت أن تستقطب في حربها لإخراج صدام من الكويت ثلاثين دولة عربيَّة، ساعدت ولو بأشكال رمزيَّة بقواتها العسكريَّة وأسلحتها وأموالها في عمليَّة إخراج صدام من الكويت، وتراجعت مفاهيم أخرى مثل العودة وعائدون، ومن البحر إلى النهر، والحداثة، والتقدم، والعلمانيَّة، والاستعمار، والأمَّة الإسلاميَّة، والأمَّة العربيَّة، والوحدة العربيَّة من المحيط إلى الخليج، وحلت محلها مفاهيم أخرى مثل الشرق أوسط الكبير، دول البحر الأبيض المتوسط، الشفافية، الديمقراطيَّة، صراع الحضارات، حوار الحضارات، وحدة الأديان، إلى غير ذلك من مصطلحات تذكرنا بأرقام البرصة وهي تظهر وتختفي، وتبرز وتسقط وتنزوي، وبذلك صار الإنسان يجري وراء المفاهيم المتغيرة، كما يجري وراء أرقام البرصة، وصارت عمليَّة المتابعة لحركة الفكر ولفكر الحركات أمرًا في غاية الصعوبة ولكنَّه مما لا يمكن إغفاله أو الاستغناء عنه أو تجاهله بحال من الأحوال.

ممارساتنا السياسيَّة بين الثقافة والواقع التاريخي:

للإسلاميين تصورات للحكم والسلطة والقوة بنيت على أفهام تنوعت لسائر الآيات الكريمة التي حملت عناوين ذات علاقة بالحكم والحاكميَّة والسلطة وما إليها، وقد ارتسم في أذهان جمهرتهم أنَّ الإسلام دين ودولة ومصحف وسيف، وأنَّ النموذج الأول الذي أسس للدولة المسلمة هو دولة المدينة المنورة فلم تفهم الدعوة الإسلاميَّة في إطار كونها دعوة إلهيَّة وخطاب رباني يدعو إلى تأسيس التوحيد وبناء أمَّة قائمة عليه، وتحمل الدعوة إلى البشريَّة كلها تدعوها إلى فطرة الله التي فطر الناس عليها، فطرة التوحيد، النقي الخالص، الذي لا تشوبه الشوائب، والدعوة إلى وحدة البشرية وتحقيق السلام بينها وتطهير المجتمعات الإنسانيَّة من العنف ووسائله، وتحرير حريَّة الاختيار لدى الإنسان ليختار معتقده ودينه وسلوكه ومصيره بنفسه دون تدخل من أحد، أو إكراه، وأنَّ للبشريَّة أن تقيم دولًا وحكومات ومؤسسات تنظم لها حياتها بشكل يتفق مع هذه الدعائم الثلاث التوحيد والأمَّة والدعوة، ودعائم أخرى قائمة عليها منبثقة عنها وهي التزكية بعد التوحيد والعمران، لتكون عندنا منظومة تقوم على التوحيد والتزكية والعمران وبناء الأمَّة الحاضنة للتوحيد القائمة عليه الداعية له الشاهدة على الناس به، فأشكال الأنظمة والمؤسسات لا تقصد لذاتها بل تقصد لكونها وسائل يتوسل بها لتحقيق المقاصد، ولذلك فقد اتسع الواقع التاريخي الإسلامي لدولة نبوة ذات منهاج إلهي تلتزم بحاكمية الله –جل شأنه- وإلى خلافة على منهاج النبوة وسلطنة وإمارة وملك، فما من شكل من أشكال الأنظمة التي عرفتها البشريَّة إلا وجدنا له نظيرا أو أكثر في الواقع التاريخي الإسلامي.

فأول الانحراف بدأ بالخلط بين الوسائل والمقاصد وإعطاء الوسائل ذات الأهميَّة التي تحتلها المقاصد، فهذا غير سليم، وانحراف في التصور كان مبكرا، وقد أدى بعد ذلك إلى سلسلة من الانحرافات، منها ذلك الفصام الذي حدث بين العناصر المشكلة لأولي الأمر وهي العلماء والأمراء، فقد كانت عظمة الخلافة الراشدة أنَّ الخليفة كان إنسانا يجمع بين العلم الشرعي القائم على كتاب الله وسنة رسوله –صلى الله عليه وآله وسلم- والقدرة السياسيَّة والمعرفة بشئون الناس، ذلك الانسجام قد فقد حين برز إلى الساحة بعد الخلافة الراشدة أناس قد يجيدون استخدام وسائل القوة والسلطة في جعل أعناق الناس لهم خاضعة لكنَّهم لا يجيدون الاجتهاد الشرعي ولا يستطيعون أن يغوصوا في آيات الله –جل شأنه- ليستنبطوا منها ويستدلوا بها.       

        

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *